روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جابر القصاص لموقع أوراق عربية …. المُحاكمة – قصة مُسلسلة ج 2

جابر القصاص لـ موقع أوراق عربية …. المُحاكمة – قصة مُسلسلة  ج 2

 

اسمه (الحسيني)، بعد فترة طويلة عرفت أن اسمه (عبد السلام الحسيني)، لكن كل من يعرفه يميل لمناداته باسم الأب، سواء من السجانين أم المساجين، واسم (الحسيني) يحرفه البعض إلى (الحسين)،

والبعض الآخر يحلو له أن يقول: (حسيني) بدون (ال)، وهناك أيضًا من يقول: (حسين) اختصارًا،

ومع ذلك اشتهر اسمه بين المساجين والسجانين بصورة غريبة!
لقيته أول مرة بالقفص أثناء محاكمتي، كانت قضيته سابقة لقضيتي،

وأذكر أن القاضي ناداه باسمه كاملًا ليتأكد من حضوره، فرع يده وقال:- – “نعم..”

أول شيء لفت نظري فيه هذا الثبات وهو يجيب،

تقريبًا كان الوحيد في القفص الذي يقف بثبات واعتداد، وكأنه يجلس بمقصورة أحد الملاعب يتابع مباراة كرة، لا قفص اتهام بمحكمة ينتظر النطق بالحكم عليه..
لكن ثباته وهو يجيب نداء القاضي لا يساوي شيئًا أمام ثباته وهو يستقبل الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة!

مستعد لأن أقسم عشرات المرات بأني رأيته يبتسم حين صدر هذا الحكم القاسي عليه،

أنا نفسي انتفضت هلعًا عند سماع كلمة (المؤبدة)، رغم أنها لا تخصني بالمرة، لكن شعوري كان ذات شعور شخص عبرت بجوار أذنه رصاصة لتصيب شخصًا آخر، لكني لم أر شخصًا يصاب برصاصة فيبتسم بثبات هكذا!
الأدهى أنه التفت نحوي حينها، ورآني أنظر إليه بهلع، فغمز بعينه بطريقة عجيبة،

وما زالت تلك الابتسامة الغريبة ترتسم على شفتيه، وقد جعلتني غمزته أنتفض بقوة أكبر،

وبالطبع كان انطباعي الأول عنه: أنه شخص مجنون، أو شخص من عتاة الإجرام، والسجن لا يمثل له شيئًا مؤذيًا!

هو شاب مثلي، غالبًا في نفس سني، في التاسعة والعشرين من عمره،

وعرفت فيما بعد أنه يكبرني بعام واحد، نحيل، أسمر الوجه، وسيم الملامح إلى حد ما، ضيق العينين، تبدو على جانبي وجهه ورأسه آثار نظارة طبية، يبدو أنه اعتاد وضعها فوق عينيه طيلة سنوات، ثم لسبب ما تخلى عنها، سمته بوجه عام هادئ جدًا، يبدو مثقفًا أكثر مما يبدو مجرمًا..
الشيء العجيب والغريب أنه أدين بتهمة القتل العمد، وبالتالي كان الحكم بالمؤبد عليه رحمة،

بدلًا من الحكم بالإعدام، وربما كان هذا سر ابتسامته، الله أعلم..
لكن من يرى (الحسيني) من أول وهلة – فضلًا عمن يعاشره عن قرب – لا يمكن أن يصدق أبدًا أنه قاتل!

كما لا يمكن أبدًا أن يصدق أنه مُقر ومعترف بجريمته، والأدهى: أنه راضٍ تمام الرضا عن نفسه لارتكابها!

ومع ذلك فإنه لم يسترعِ اهتمامي إلا في تلك اللحظة،

وبعدها انشغلت بالقاضي وما يصدره من أحكام، وبالمحامي الوغد البدين الذي وعدني بأني لن أمكث في السجن أكثر من عدة أشهر، ولغياب جميع أسرتي عن المحاكمة، وأهم شيء: بالحكم الذي أترقب صدروه عليّ،

وحين صدر الحكم كنت في حالة انهيار تام، والشيء الوحيد الذي اذكره تلك اليد النحيلة التي أمسكت بعضدي، وذلك الصوت الهادئ العميق الذي تسلل إلى أذنيّ وهو يقول:-
– “لا تشغل بالك بحكم المحكمة، اهتم فقط بحكمك على نفسك!”
وبالطبع لم أعِ حرفًا واحدًا مما سمعت وقتها، لكني عرفت فيما بعد أنه كان صوت ذلك المدعو (الحسيني) رفيق السجن الجديد..
بل رفيق الظلام!

يـــتبع

لمتابعة المزيد من أعمال  جابر القصاص بــ موقع اوراق عربية / روايات – قصص مسلسلة 

لمتابعة المزيد من الأعمال بـ موقع اوراق عربية / روايات – قصص مسلسلة علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق