وطننا العربي

تمام سلام فن التفاؤل!

لبنان قري جنوب

بقلم/ نبيه البرجي
هي حكومة المائة يوم. لكأنها حكومة المائة عام…
نعرف صديقنا الرئيس تمام سلام عن كثب. ماذا يقرأ، وكيف يفكر، وماذا يجول في رأسه من اجل لمّ الشمل. هو الذي يدرك ان شعار ابيه الرئيس صائب سلام «لبنان واحد لا لبنانان» قد توارى او اندثر. ثمة لبنانان ويقتضي ادارة التسوية، لا الازمة، بينهما..
فريقان ولاحظنا ان اللعب على حافة الهاوية بات، بطريقة او بأخرى، اللعب في الهاوية. عالم في حالة من الهذيان( وربما الغثيان)، ومنطقة يبدو انها اقامت طويلا حينا في احذية القناصل و حينا في سراويل القناصل. ليقل لنا اي كان اي منظومة فلسفية او استراتيجية ( او ايديولوجية بطبيعة الحال) تحكم المنطقة؟..
لبنان في هذه الحال، كرة النار ام كرة القش؟ لا مجال للمقاربة الطوباوية للمشهد. تسمع من بعض الديبلوماسيين انها جمهورية اللامعقول. ندع جانبا مصطلح « السياسة فن الممكن». في الشرق الاوسط قد تكون «فن المستحيل». عند تمام بك… فن التفاؤل.
هو الرجل الذي لا يمارس السياسة بأظافره، ولا صلة له بالانغلاق او بالتعصب او بالفوقية او بالغرائزية او بالكراهية الشائعة في جمهوريتنا التي تكاد تكون جمهورية الرايخ الثالث.
من هنا نراهن على دور المايسترو يضطلع به تمام سلام ليس فقط لضبط الايقاع وسط ذلك الخواء السياسي، وانما لتشكيل مناخ جديد بل و ديناميكية جديدة، فاللبنانيون الذين انهكهم الاستقطاب، ودفعتهم التوتاليتارية المذهبية الى حافة المجهول، بحاجة ماسة الى تلك اللحظة التي يشعرون معها بأن الرجل الذي يعرف كيف يتفاءل يتقن ايضا تصنيع، او تسويق، التفاؤل من خلال حكومة يعرف هو جيدا انها لم تولد بالصدفة، ولا نتيجة« الرؤيا» التي هبطت هكذا فجأة على الطبقة السياسية عندنا.
الحكومة ظهرت الى الوجود، بعد طول معاناة ( وندرك تماما كم عانى تمام سلام شخصيا) عندما حصل ذلك التقاطع الدولي و الاقليمي حول ضرورة اتقاذ لبنان من الفراغ الذي بدا جليا انه« الطريق الملكي» الى الفوضى. وما ادراك ما الفوضى وسط ذلك التصدع الدراماتيكي ان على المستوى المذهبي او على المستوى السياسي.
حينما يجد الآخرون، وبالرغم من المسافات اللامتناهية التي تفصل بينهم، لغة مشتركة حول لبنان، كيف لا يجد اللبنانيون مثل هذه اللغة ،وقد استغرب سفير عربي « كيف ان هؤلاء الناس يقيمون الاسلاك الشائكة حتى بين العتابا و…الميجانا».
لبنان مشترك بين اللبنانيين، ولغة مشتركة بين اللغتين. واضح انه اتى بهذه الحكومة لا لكي تنفجر ولا لكي تفجر. ليس فقط من اجل مواكبة الاستحقاق الرئاسي، بل من اجل ذلك الاستحقاق الاخر الذي يدعى لبنان…
هناك وزراء قادرون ومميزون،وان كان من الصعب ان يتحمل اللبنانيون كيف ان بعض الوجوه تتكرر وتتكرر كما لو ان الطوائف او الاحزاب خلت من الوجوه الاخرى والادمغة الاخرى. هذه الاهانة للناس، لاحاسيس الناس ولعقول الناس، ودون ان يكون هناك اي مبرر لذلك، فلا احد من هؤلاء يشبه اينشتاين و لا آخر يشبه اريسطو. الازلام عادة يتقدمون الصفوف. تماثيل الشمع ايضا..
لا احد ينفي ان بين الاسماء التي تتكرر، كما لو انها اسماء ابدية، ثمة من يفترض ان يبقى. ولكن، مرة اخرى، لا مجال للمثالية في هذا الكرنفال. حرب الحقائب تحولت الى بازار حقيقي، فهذه هي الحالة اللبنانية، وهذه هي التركيبة الفولكورية، والتراجيدية، في آن. ولا نعتقد ان الوزراء الذين وصفوا بـ« الاستفزازيين» يمكن ان يكونوا هكذا داخل الحكومة وهم الذين يدركون مدى الاهوال التي تحيط بلبنان بعدما بدا ان القوى الكبرى، كما القوى الاقليمية، تقف عاجزة عن التوصل الى تسوية في سوريا، لا بل اننا نقرأ لاوبير فيدرين ان الازمة السورية تبدو وكأنها تطارد الجميع. هو الذي يبدي خشيته من ان تحطم الجميع بعدما حولتها لعبة الامم ، وبتواطؤ عربي مريع، الى نسخة بالعربية عن الحالة الافغانية.
مايسترو في هذه الادغال؟ لا نتصور ان هناك من هو افضل من تمام سلام في هذا الوقت بالذات، ولهذه المهمة بالذات. واذا كان البعض يعتقد ان الدفع الدولي، وفي اطار المسار التفاوضي بين واشنطن و طهران، والذي يتداخل مع التطورات المثيرة في مصر( ولعلها التحولات الاستراتيجية ايضا) وكذلك مع احوال الارض في سوريا، يمكن ان ينسحب على الاستحقاق الرئاسي، فإن مصادر ديبلوماسية تقول ان المجلس النيابي الجديد هو من سينتخب رئيس الجمهورية الذي قد يمدد له لعامين او لثلاث دون اغفال احتمال الشغور في المنصب مادامت هناك حكومة ائتلافية ولا غبار فيها على التمثيل المسيحي الوازن..
وحتى لو كانت حكومة المائة يوم، فإن باستطاعة الرئيس تمام سلام الذي علمنا انه وضع تصورا محددا لتشغيل العربة الحكومية بسرعتها القصوى كما بامكاناتها القصوى ، ان يجعل منها حكومة استثنائية لا مجرد حكومة انتقالية، حتى ولو وصفها الرئيس سعد الحريري، ربما لتغطية التراجع عن كل الخطوط الحمر، بـ« حكومة ربط نزاع»، ووصفها الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله بـ« حكومة التسوية» التي لا تنطبق عليها مواصفات او معايير(بالاحرى مفاهيم) حكومة الوحدة الوطنية…
لكن الاثنين تعاملا بمنتهى الواقعية، بل و بمنتهى العقلانية، مع الظروف، كما مع الاحتمالات، وهو ما قد يمكن الحكومة من التفاعل مع احتياجات الناس، ويوميات الناس الذين يدرك الرئيس تمام سلام انهم الضحايا، وانهم آخر من يفكر بهم معظم اركان الطبقة السياسية. ولا بأس ان نستعيد هنا كلاما لناظم حكمت عن «الحرير الذي يملأ الدنيا والعراة الذين يملأون الارض».
اليائسون، والعراة، والمحطمون يملأون الارض. كيف يمكن لاي مسؤول ان يكون متفائلا حيال ذاك الركام. هل هو حقا يربت على كتف المستحيل (وول سونيكا يقول… انما يربت على كتف الشيطان)؟
دعونا نتفاءل بتفاؤل تمام سلام. نقول…السياسة ايضا فن التفاؤل!

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق