منتدي أوراق عربية

المحنة الأخوانية بين الناصرية والسيسية – سيد صابر

يخطئ من يعتقد أن الحملات الأعلامية والأمنية التى تشن ضد جماعة الأخوان في مصر الأن هي وليدة اللحظة أو هم عديمي الخبرة في التعامل معها ، فقد تختلف الظروف والأحوال الا ان تجربة الأخوان في التعامل مع الدولة ومؤسستها لاتتغير ولاتتبدل .

منذ 28 ديسمبر عام 1948 وهي لحظة أغتيال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر السابق والأخوان يعانون من معضلة فهم الدولة وكيفية التعامل مع مؤسستها …. فرغم رفض حسن البنا لعملية الأغتيال وتعنيفه لعبدد الرحمن سند قائد النظام الخاص الذي قام بالعملية ووصفه لمن قام بها بأنهم ليسوا أخوان وليسوا مسلمين الا ان الرجل دفع حياته ثمناً لها , أذ لم يمر سوي شهر وأربعة الأيام ليأتى الرد مزلزلاً للجماعة ففي مساء 2 فيراير 1949 حيث تقوم مجموعة من الحرس الحديدي ( الحرس الخاص للملك فاروق ) بإطلاق النار علي الشيخ حسن البنا ويترك الرجل ينزف في القصر العينى حتى الوفاة …. وتتم الملاحقات الأمنية للجماعة حتى ان الرجل الذي كان ملئ السمع والبصر لايجد من يودعه ويمشي في جنازته سوي أربعة نساء من العائلة وكان الرجل الوحيد الذي تحدي الملك فاروق وخرج في جنازة حسن البنا هو الزعيم مكرم عبيد …. نعم مكرم عبيد المسيحي هو الوحيد الرجل الوحيد الذي حمل جثمان مكرم عبيد ليودعه الي مثواه الأخير …. أما  الجماعة وحواريها وأذنابها فقد أثروا السلامة وتقاعسوا عن توديع رجلهم وملهمهم ومرشدهم الأول .

حدث حريق القاهرة الذي أحتار المؤرخين في معرفة دوافعه وأسبابه  ثم قامت ثورة يوليو وشارك الأخوان بها وحدث الخلاف الشهير بين نجيب وعبد الناصر  ( المعروف بازمة مارس ) وأنحاز الأخوان لنجيب …. طلبهم عبد الناصر للمشاركة في الوزارة وتشكيل الحكومة ، تجبروا وتكبروا وتعالوا وطالبوا بأكثر من ثمانية وزراء وحددوا الوزرات التى سوف يشغلونها …. رفض عبد الناصر طلبهم لتأتى حادثة المنشية ويطلق النار علي عبدالناصر الا ان الرصاصات تطيش ليدخل الأخوان في أتون معركة جديدة مع الدولة مع الجمهورية الوليدة ليعانوا أشد المعاناة في السجون الناصرية طوال الخمسينات ليخرجوا في اوائل الستينات ويجمع شتاتهم سيد قطب ويعاد تشكيل النظام الخاص وتقرر الجماعة الخلاص من عبد الناصر بوصفه رأس الجاهلية في القرن العشرين وتزرع المتفجرات تحت شريط السكة الحديد وتحت القطار الذي كان سيقل عبد الناصر في المنصورة وتكشف العملية ليرد النظام بأعدام سيد قطب ومعه مجموعة من الأخوان وتحبس مجموعة أخري .

جاء السادات وعاني الكثير من اليسار ومن الناصريين وأحتار كيف يواجههم لتأتى نصيحة المقاول الأشهر عثمان احمد عثمان ( صهرالسادات وصديقه ) بأن يتم الأفراج عن الأخوان ليضرب بهم الناصريين وأحداث التوازن وتتم المقابلة المعروفة بين المرشد عمر التلمساني والسادات ويخرج الأخوان من السجون ليعملوا في الجامعات المصرية والدول العربية بمنتهي الأريحية وسرعان ما خرجت منهم عناقيد تميل إلي السيرة الأولي في العنف ضد الدولة ومؤسستها ليدفع السادات حياته ثمناً بأيد جماعة الجهاد التى كانت تعتبر كتب سيد قطب وأبو الأعلي المودودي وأبن تيميه هي دستورها في الحياة والممات …. قتل الرجل الذي مد يديه لهم ( وبأعتراف القتلة بعد سنين أنهم أخطئوا في قتل السادات … راجع كتب واعترافات ناجح أبراهيم ) .

 الزعيم ناصر والسيسي

جاء مبارك وبدأ النظام يتعامل معهم بطريقة جديدة مختلفة وهي طريقة الباب الدوار أذ يعتمد ذلك الأسلوب علي اعتقال الأخوان لفترة من الزمن ثم يطلق سراحهم فترة  ثم يعتقلوا مرة ثانية وهكذا دواليك أملاً في أنهاكهم … الا ان ذلك المشهد العبثي أفضي إلي تعاطف الشعب المصري معهم وخصوصاُ أنهم في تلك الفترة كانوا ركنوا إلي الهدوء والأتزان والتواضع والتركيز علي الأبعاد الأجتماعية في التعامل مع المجتمع يطريقة أذهلت نظام مبارك ، وساهمت تلك الطريقة  في تحسين الصورة الذهنية للأخوان عند بسطاء الشعب فهم ( ناس بتوع ربنا ) كما كان المصريون يقولون في حينه .

جاءت ثورة يناير ( وقد كنت شاهد عيان ومشارك بها ) رأيتهم عن قرب … بسطاء … لطفاء …. فقد كان صفوت حجازى يقبل كتفي وكتف غيري عند مرروه علينا ونحن نحرس مداخل الميدان ، أما سهرات محمد البلتاجي ووعوده لنا بأننا لن نشارك في انتخابات الرئاسة ولن نترشح علي جميع المقاعد البرلمانية … نحن نريد المشاركة لا المغالبة …. تلك المقولات والتعهدات ساهمت في تقارب كل القوي السياسية لننصهر جميعا في بوتقة التحرير في تعاضد  أذهل العالم فقد كنا يسار ويمين مسلمين ومسيحيين ، أخوان وليبراليين … كلنا كلنا كنا فعلاً أيد واحدة ( هذا الظاهر أما الباطن فقد كانت جلسات الأخوان السرية مع عمر سليمان ) .

ذهب مبارك وأميط اللثام عن وجه أخر للأخوان فقد أخرجدوا لسانهم لشركاء الميدان وتركوهم وحدهم ينافحون ويكافحون ضد مجلس طنطاوى وأدائه الباهت الضعيف …. أصبح الأخوان هم الحاكمون الناهون المتحكمون في كل شئون مصر وكثيرا ماهدد محمد مرسي المشير طنطاوى بحرق مصر أذا أقدم علي أى تصرف لا يعجبهم أو حاد عن الخط الذي يرسمونه …. بح صوتنا ونحن نحاول معهم الأنضمام إلينا وكان ردهم دائماً … يامشير يامشير أنت الأمير … ودفع المشير الأمير ثمن ضعفه ووهنه وتردده وأطيح بطنطاوى بمجرد أعتلاء محمد مرسي لكرسي الرئاسة .

فاز مرسي في الرئاسة بعد ان عقدت الجماعة الوطنية العزم علي مساعدته نكاية في شفيق مرشح الفلول وأخذ علي الرئيس مرسي الوعود والعهود ( جلسة فندق فيرمونت ) ومرت الأيام ليفاجئ المصريين ان الرجل لايحكم ولايدير مصر …. تخبط حاد …. قرارات مرتجلة ….رئيس وزراء ضعيف …. رئيس جمهورية لايري سوى الأهل والعشيرة، فضلاُ عن بعض السمات السيكولوجية للرئيس مرسي والتى وضعته ووضعت معه الدولة المصرية في مواقف غاية في الأحراج فالرجل لايعي مكانة مصر ودورها …. محدودية أفق مستشاريه وقلة خبرتهم ….القرارات التى تأتى من مكتب الأرشاد … الخطب التى كانت تعرض علي المصريين في الثانية صباحاُ … العنف الذي مارسته الجماعة في الأتحادية والتحرير والقصر العينى…. تجمدت مصر في عهد مرسي بشكل غريب وأصبح الرجل مثالاً للتندر بتصرفاته وتصرفات أتباعه ، فهو لم يكن يعي طبيعة الشعب المصري وخصوصا بعد ثورة عظيمة مثل ثورة يناير رثورة لم تحقق أهدافها في العيش والحرية والعدالة الأجتماعية …. وللرجل عذره فقد قضي فترات طويلة في المعتقلات عزلته عن الواقع والمجتمع وحركته .

جمعت تمرد 22 مليون توقيع لأقالة وعزل مرسي …وجاء 30 يونيو ويخرج 33 مليون مصري رافضين مرسي …. رافضين الجماعة … أنحاز الجيش للشعب بعد ان حذر مرتين من خطورة الأوضاع وأعطي المهلة تلو المهلة لحلحلة القضية الا ان مرسي كان مثل مبارك بالضبط ( ركب رأسه ورفض الأستماع للشعب ) وعزل مرسي وجن جنون امريكا وبعض دول أوروبا …. سقط المشروع الأمريكي المراهن علي الأخوان وشعبيتهم في مصر وتونس واليمن ودورهم في سوريا …. جن جنون أن باترسون ( السفيرة الأمريكية بالقاهرة ) بل قيل أنها ذرفت الدموع غيظا وحقداً من مصر وجيشها وتم أستعداء الغرب وجرت المحاولات لشيطنة السيسي وتقزيم للموجة الثانية من ثورة يناير واعتبرها انقلاب عسكري ….لم نري حكومة عسكرية … لم نري رئيسا من المؤسسة العسكرية بل أنه رئيس المحكمة الدستورية الا ماكينة الجزيرة ومعها القرضاوى مفتى الناتو وتوكل كرمان يحشدون الناس للحشد في رابعة والنهضة ، ووجهت الرسائل والتطمينات الواحد تلو الأخر لفض الأعتصام الا ان للجزيرة رأي أخر وهو أن السيسي  خان مرسي وغيرها من الترهات الوقحة في حق الرجل الذي أصبح بين عشية وضحاها هو رجل مصر الأول ورجل المرحلة .

فض الأعتصام وهرب القادة وتركوا بسطاء الشعب تحت زخات الغاز والمطاطي …. وعاد العنف الأخواني في كرداسة وبورسعيد ورمسيس ….. أما سيناء وخصوصا رفح والعريش فقد كان لهم نصيب الأسد في عنف الأخوان وأتباعهم فبمنتهي الخسة والنذالة والحقارة والوحشية يقتل ستة عشرة جنديا مصريا من بسطاء الشعب …. قتلوا لأنهم جنود … جنود في جيش مصر …. جنود هذا الوطن …. لتشن الحملات الأمنية والأعلامية ضد الأخوان وتتحول الصورة الذهنية للأخوان من ( ناس بتوع ربنا ) إلي جماعة ضالة تعيث فسادا في أرض مصر ويعاد عصر عبد الناصر ومبارك ولكن مع فارق وهو عدم وجود قانون طوارئ أو أحكام عرفية فهم يحبسون وفقا للقانون الطبيعي ….

مما سبق يتضح للجميع وفقا للتاريخ ومدلولاته أن الجماعة عندما تختلف سياسيا وتفشل في حل مشكلاتها السياسية تلجأ للعنف وتبدأ به وترد الدولة بعنف أقسي وأقوي ( لانها دولة وأمكانياتها وأدواتها أكبر ) وللاسف تتحول الجماعة الي جماعة دعوية ضلت طريقها الي السياسة ، زعمت انها تريد أن تصلح السياسة بالدين فأفسدت دينها بالسياسة

بقلم : أ / سيد صابر – خاص لأوراق عربية

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق