منتدي أوراق عربية

القراءة فيها سمٌ قاتل …… رباب طلعت – خاص لأوراق عربية

“أتركوني وكتبي بعيداً فعالمكم لا يطاق” شعار مرحلة العزلة المعتادة التي أهرب إليها من وقت لآخر باحثة عن باب للخروج من ضغوط العفن الفكري المحيطة لأحمي أفكاري ومبادئي من الغرق في مستنقعات الجهل و الفساد ولا أستثني نفسي من الجهل أو الفساد فكلنا فاسدون بنسب متفاوتة ولكنها محاولة للحفاظ على ما تبقى في نفسي من معالم الإنسانية, ولطالما نجحت تلك المحاولة في انتشالي من حالات الاكتئاب الناتجة عن التصادم العنيف بين (ما أرى وبما أؤمن), فتنجح كتبي في التخفيف عني وأبطال رواياتي في السير معي على خطى الإنسانية والمثالية المفقودة في العالم الحقيقي والمتصنعة في العالم الافتراضي ولكنها فشلت فشل ذريع في المرات الأخيرة ولعل السبب في ذلك هو أن عقلي بات يرفض الخضوع للتخدير المؤقت والنشوة اللحظية الناتجة عن صفحات كتاب تخبره بأن كل شيء بخير وللخير الكلمة العليا والمجد للأخيار فيبتسم ويخضع للأماني الزائفة دونما سعي لإيجاد حلول واقعية لتغير الواقع, فما فائدة الواقع مادام هناك بديل أسهل ألجأ إليه من وقت لآخر دونما أي تصادم مع أفكاري أو أوهامي, ما فائدة المواجهة مادام خيار الهروب أسهل, ولكن هل الهروب هو الخيار الآمن ؟

بالطبع لا فالهروب من الواقع ما هو إلا تحايل على الأفكار الجائعة لإجابات من أرض الواقع التي نحيا فيه فنحن لا نحيا في بلاد العجائب أو الأرض الفاضلة فلا معجزات تحدث ولا أبطال خارقون يحلقون في السماء ويسارعون في القضاء على الأشرار, فالحل هو المواجهة التي يفتقدها الكثير من المثقفين والمعلقين بين صفحات الكتب, مواجهة الواقع ومشكلاته واستنباط حلوله من أرض الواقع وبالاستفادة من خبرات الكتب لا الغرق في الكتب وتجاهل الواقع فالتصادم المعتاد بين ما نقرأ وما نرى.

ولعل التأرجح ما بين حالات العزلة والتصادم مع الواقع هي واحدة من أهم مشكلات القراءة ولكنها ليست المشكلة الأكبر في حياة القارئة العربية, فالقراءة كغيرها من أوجه الحياة في مجتمعاتنا العربية تأخذ محوراً مختلفاً عند المرأة العربية, فالقراءة والتي هي أول أمر إلهي نزل على نبيه المصطفى أصبحت جريمة يعاقب عليها المجتمع إذ ما اقترفتها الفتاة, فالفتاة المثقفة التي لطالما صورتها وسائل الإعلام المختلفة أنها فتاة لا تصلح للزواج, فقانون الجاذبية لنيوتن أعجز من أن يوقع ابن الحلال في شباك الزواج, وأشعار طاغور لا تصلح مع إيقاعات الهز العام, وطشة الملوخية لا تصلحها نسبية اينشتاين, ولو اجتمع فلاسفة اليونان لإصلاح سلوكيات الأبناء ما استطاعوا الوصول لنتيجة أفضل من النتيجة المجربة لشبشب الحاجة.

فأصبحت الفتاة المثقفة هي حلم كل شاب يفكر في قضاء نزهة فكرية مع من تضاهي عقله أو من تثمر عقله, ولكنها كابوس الشاب الخاطب وأهله فالبيت الموبوء بفتاة مثقفة لا تطرق له باباً فهي لن تتقمص دور أمينة ولن تمارس عليها دور سي السيد “هترد عليك كلمة بكلمة أصلها مش بتاعت طيب وحاضر”.

فتبدأ حلقات المسلسل الهزلي في الضغط ونبذ البنت المثقفة بداية من الأهل وبأوامر صارمة من قلب الأم الحريصة على مستقبل بنتها “الي في سن جواز”  ومرورا بنصائح صديقاتها الحريصات على مستقبل صديقتهن التي غالباً تلعب معهم دور المستشارة وصندوق الأسرار انتهاءً بكل الحريصات والحريصون على “عدل الحال المايل” (متقرأيش, متتكلميش, الكتب أكلت دماغك, انتي مش زي البنات , أنتي اصلا مش بنت , الكتب مبتفتحش بيت, قومي اتعلميلك طبخة, اضحكي اتدلعي وأهم حاجة الروج يكون مظبوط ) وخلافه من النصائح المقدمة “لله وللوطن وللصالح العام ودرأ الفتن” ومن كلمات النقد اللاذع والهجوم الشرس على ما تراه فرض ويرونه عيب.

وكأن القراءة والثقافة تتنافى مع معالم الأنوثة أو تطمس معالمها كلما زادت وكأن العالم لم يشهد على أيقونة جمال هوليود العالمة النمساوية “هيدي لامار” وكأن الثقافة لن تربي الأبناء وكأن حافظ إبراهيم لم يقل أن “الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق” فإذا أعددت المرأة واهتممت بثقافتها انتشلت المجتمع من الفساد وانتشلت الوطن من الجهل وانتزعت نصيبه من التقدم والحضارة.

فالمرأة هي مرآة مجتمعها “فإذا أردت أن تعرف حال أمة فلتنظر بمن تقتدي نسائها”, فلننظر إذن إلى مرآة مجتمعنا ونتساءل ونجيب في صمت بمن نريد أن تقتدي نسائنا من نساء الأرض بعلمائها أم بعوالمها ؟

 ولنسأل أنفسنا من له الهدف الأكبر في طمس ثقافة الفتاة وحبسها في إطار الصورة المفرغة من المعنى, من له الهدف في جعل الثقافة محرمة على الفتاة ومن له الهدف في أن تصل الكثير من المثقفات للتحرر من كل ما يربطها بالمجتمع فتكسر كل القيود والحدود وتهاجم كل ما يهاجم وكل ما لا يهاجم في سبيل إثبات ذاتها والانتقام من المجتمع الضاغط عليها والسالب لأبسط حقوقها في الثقافة والوعي, من له الهدف في الخلط ما بين الثقافة والتحرر ومن له الهدف في نبذ المجتمع للثقافة واتجاه المثقفات للمنبوذ منها, من له الهدف في تشويه المثقفات وتهميشهم وسلبهم حق الحياة ؟

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق