منتدي أوراق عربية
العلق_قصة قصيره _كامل الدلفي /خاص لأوراق عربية
العلق
كامل الدلفي
امتلأت حماساً وحيوية منذ إن ركبت طائرة العودة إلى بلدي ، وحين هبطت بي الطائرة في مطار العاصمة ، لم أقم بتلك الحركات المستهلكة التي مارسها قبلي عائدون رومانتيكيون ، فمنهم من قبل تراب المطار ، ومنهم من أحتضن أقرب عمود كهرباء ، ومن نائح عند جذع شجرة ، وما شابهه .
أما أنا فقد سألت الله في سري أن يوفقني في برنامجي ، وأن لا أكون موضوعاً لتندر سالي ، زوجتي الإفرنجية ، التي ظلت ، هي والأولاد في بيتنا هناك ، حيث راهنت بتحدٍ على فشل رحلتي ، مدفوعة بموقف مزاجي ، ما زادني إصراراً على المضي قدما ، فلم أترك ثغرة إدارية أو وثائقية تنال من قدرة التصميم على النجاح ، فترجمت كل وثائقي وشهاداتي العلمية إلى اللغة الأم ، وصدقتها لدى سفارتنا في بلد المهجر . خرجت من الطائرة وأنا أقرب إلى صوص يتلمس العالم أول مرة ، أرسلت من داخلي المضطرب بطاقات حب إلى الأمكنة التي أخذت تمرني بها سيارة الأجرة ، والتي أوصلتني بحسب الوصايا إلى فندق الإنترناشيونال المطل على النهر ، فأنه يلقى شهرة بين الأوساط السياحية الخارجية ، فقد وجدته يعج بحركة سياحية وإعلامية واسعة ، حجزت من فوري بشكل مفتوح وطلبت من الإدارة دليلاً سياحياً ، أو بالأحرى رفقة إستشارية لإنجاز بعض المعاملات التي سأحتاجها لإكمال إقامتي الدائمة ، لم أفضل الإتصال بأحد من عائلتي أو علاقاتي القديمة ، لأن ذلك سيأخذ مني وقتاً أطول ، جاء إلى صالة الإنتظار وعرفني باسمه ،،حارث،، ولد ممتاز ومتماسك ، خفف عني أعباء كثيرة ، سألت الله أن يعوضه ويحميه ، من اللقاء الأول شرحت له مهمته ، وطلبت منه أن يرسم لي خريطة المؤسسات التي أحتاج إليها لإنجاز موافقة التدريس في جامعات البلد ، سيما وأن العام الدراسي أوشك على الإبتداء ، كان على درجة من المهارة والدقة ، فأوجز مدة العمل إلى نصف زمنها ، ما يدل على نقائه وحسن تربيته ، سلمني موافقة الجامعة بعد وقت قصير ، ومارست تخصصي في قاعة الدرس في علم وظائف الأعضاء بنشوة غامرة .
ليلتها تلفنت إلى سالي وسلقت أجدادها الإفرنج ، وبطيبة خاطر مألوفة فيها ، حيتني وباركت لي ، وقالت : ” سنلتحق بك أنا والأولاد بعد أن تستقر فعليا في العاصمة ” ، شجعني ذلك لشراء سكن مناسب ، وحين فاتحت حارث بوصفه أول صديق لي في الوطن ، ذهب معي إلى شركة عقار في الجانب الغربي من النهر ، وإتفقنا على شراء دار من طراز حديث ، وأوكل حارث عملية التسجيل في دائرة الطابو إلى معقب تسجيل ، وجاءني هذا بعد أسبوع ليوضح لي بأن دائرة التسجيل العقاري تطلب وثيقة تأييد من مؤسسة السكان الأصليين ، وأن ذلك إجراء ضروري حسب قوله ، فلم أتوان ليقيني بعدم وجود مشكلة في هذا الأمر ، وإذ دلني مكان المؤسسة ، إستأجرت سيارة أجرة ، لكن السائق الذي إستأجرته لم يوصلني في الوقت المحدد للدوام الرسمي ، فالمؤسسة تغلق عند الساعة الثانية ظهراً ، وكنت أتوسل إليه إن يكف عن الحديث ، ويوصلني قبل نهاية الدوام ، لكنه كمحترف من زمن الباشوية ولم يحض بالتقاعد أو الضمان الإجتماعي ، بدا لي كأنه مذياع كشكول ، وبما أن عمر الرجل لم يسمح لي بأن أرفع صوتي معه ، فقلت في داخلي لقد إستفدت هذا اليوم بأني قد عرفت المكان جيداً فسأتي غداً مبكراً ، لكنه حين أوقف السيارة في باب المؤسسة ، لكزني قائلا : ” مفتوحة والحمد لله ” .
قلت : مستحيل ، وأظنه لم يسمع ما قلت ، إذ لم يتوان أن حرك سيارته بعيداً عني .
تقربت رويداً من الباب الذي يحتفظ بمعالم تراثية عهدت في العاصمة أبان ستينيات القرن الماضي ، وقلت في سريرتي من الأفضل أن أعود إلى الفندق ، فلا جدوى من اللقاء بالحرس ، إلا أن عيني قد تعرضت إلى شد خارجي ، إذ وقع نظري على امرأة ممشوقة القوام ، شعرها الأحمر يتكوم بغنج على كتفيها ، أبتسمت ، أو إبتسم كلانا ، وبإيماءة ساحرة أذنت لي بالتقدم ، إنحنيت قليلاً وعرفت بنفسي ، ردت بأحسن منها : ” أنا الدكتورة فاطمة حسين غلام …….. ” ،
تشرفنا يا ست ….
شممت رائحة شاي تأتي من الداخل ، لكنها بادرت بالإعتذار ، وبينت أن لا أحد منهم ليقوم بإجراء الضيافة ، همهمت شاكراً لها ، قلت سآتي غداً ، فاومئت أن أقدم لها الطلب ، قرأته ، فلم تتوان أن دخلت سريعاً وخرجت ، فرايت أنها قد ختمته ، وسجلت عليه رقماً للوارد ، ثم إنحنت على طاولة في طارمة المبنى ، وكتبت : ” الأستاذ عباس لإجراء اللازم ” وأدرجت أسمها ووقعت فوقه بالحبر الأخضر .
قالت غداً سيقوم الأستاذ عباس بالتفاصيل ، شكرتها وتمنيت لها التوفيق وودعتها بلياقة تامة ، قرأت الرقم الوارد فكان (33) في 10/10/2010 وأستلقيت في سريري مرتاحاً نشوان إلى منتصف الليل .
دخلت الدائرة صباحاً متخطياً غرفة الحراسة ، فقد فتشني الحرس وأخذوا هاتفي النقال .. ، وأدلوني إلى مكتب السيد عباس وقد تبين بأنه المدير العام وقد رحب بي وأستلم طلبي ، لكنه ذهل حين قرأ ما كتبت ….
سألني بغضب : من كتب لك على الطلب ؟
أشرت إلى اسمها .
قال : ومن تكون ؟
قلت : لا إعرف ولكني وجدتها في الدائرة يوم أمس .
قال : لا تلعب بأعصابي ، ليس لدينا أحد بهذا الأسم .
قلت : كيف ؟
قال يا رجل ” سأحمل الأمر على حسن النية ، وأمزق الطلب ، وأنت تنسحب بعيداً عني وكان شيئا لم يكن ، وإلا ، قسماً بشرفي ، سأحيلك إلى شؤون الأمن بدواعي التزوير ” .
أرتفع صوت إحتجاجي ، الأمر الذي جعل الرجل الجالس على يمين الطاولة يتحرك ، ويتدخل في صراعنا أنا والسيد عباس ، فأستفهم منه عن الأمر ، وحين سمع بأسم المرأة ، توجه لي مخاطباً ومبطناً في خطابه سخرية لاذعة : ” يا ولدي ذلك مستحيل لأن الأموات لا يذيلون الطلبات ولا يحضرون بيننا ، وعليك أن تكف عن مقابلة الأشباح ، وتعالج نفسك عند الاطباء النفسانيين ، فأنا أعرف بعضهم ” .
قلت : ما الأمر ؟
قال : أن هذه السيدة كانت صاحبة هذه الدار ، وقد سفرتها الحكومة هي وآخرين في العام 1979 ، إلى دولة مجاورة بحجة أنهم سكان غير أصليين ، أو يعودون بالتبعية إلى هذه الدولة الجارة ، وكان ذلك محض هراء سياسي ، فالدولة المجاورة نصبت لهم مخيمات على الحدود ، وقد تواردت الأخبار عن موت غالبيتهم ، بما فيهم السيدة صاحبة الأسم الذي ذكرته ، فأرجو أن تمزق طلبك وتغلق هذا الباب ، الذي إذا فتح لا تحمد عواقبه .
ذهبت من فوري إلى منزل حارث وطلبت منه أن يبطل عقد الشراء مع الشركة العقارية لقاء إي خصم ، وعدت إلى الفندق متعباً ، قلقاً ، وقرفان .. لكن موظف الإستقبال لم يتوان …. فقد أخبرني بأن بريداً يخصني في الإدارة ، جاءت به سيدة إنتظرت أكثر من ساعة ، أنه هناك ، وأشار إلى الغرفة المقابلة ، فتحت الظرف وأنا في المصعد فوجدت شريطاً أخضراً يشبه الأشرطة التي كانت أمي تجلبها من الأضرحة المقدسة وتشدها طوال العام على معصمي ، قلبت الظرف ، قرأت أسمها ” الدكتورة فاطمة حسين غلام ” .
إتصلت بسالي وأخبرتها بأني سأكون عندها غضون اليومين القادمين وسأجلب معي قطعة قماش بيضاء .
خاص لأوراق عربية
متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)