منتدي أوراق عربية

إلى أمل دنقل.. في ذكراه / بقلم جابر القصاص -خاص لأوراق عربية

لقب نفسه بـ “الجنوبي”.. ولقبه فاروق شوشة بـ “شاعر اليقين القومي”.. ولقبه نسيم مجلي بـ “أمير شعراء الرفض”.. وقال عنه فاروق جويدة: “كان حصاناً جامحاً في معركة خاسرة، وكسبه الشعر”..
ونحن نستقبل هذه الأيام الذكرى الحادية والثلاثين لرحيل الشاعر المصري الجنوبي المناضل “أمل دنقل”، الذي رحل عن دنيانا في 21 مايو 1983م ، فإن لنا وقفات مع تراثه الشعري الثري، ونتاجه الأدبي الحافل والبائس، الذي أهله لنيل هذه المنزلة بين شعراء العربية..
* الوقفة الأولى: الحب الضائع:-
لقد كان أمل – كما قال جويدة – حصاناً جامحاً، انطلق في سهول ووديان الحب والحياة والأمل، وتعثر في صخور وكثبان القمع والمرض والألم حتى النهاية البائسة المحتومة، والموجع أنه خسر معاركه كلها من البداية حتى النهاية، وبالنظر إلى سيرته الذاتية البائسة، مع ضم نتاجه الأدبي إليها سنجد أن أولى وأعظم معاركه الخاسرة هي معركته مع الحب..
إننا إزاء فتى قروي بسيط، فقد أباه وهو في سن العاشرة من عمره، فنشأ يتيماً، ثم تعلق قلبه البكر بالفتاة “ذات العيون الخضر”، تلك الحبيبة الرقيقة، التي كرس لها مساحة كبيرة من شعره، واحتلت عناوين بعض قصائده، مثل “قلبي والعيون الخضر”، و”العينان الخضراوان”، و”إلى ذات العيون الخضر”، التي تضمنها جميعاً ديوان “مقتل القمر” أول دواوينه المطبوعة.. كما أنها استولت على محتوى معظم قصائد هذا الديوان، الذي كان أشبه بـ “سيمفونية” مشاعر بريئة، ودموع شجية..
كيف بدأ ذلك الحب؟ يجيب عن ذلك أمل بقوله:-
– “كنا جارين طويلاً.. وخليج عيون خضر..
ترسو فيه مراوح نور
نحلم فيه والأيام ترش علينا التأويلاً..”
وكيف انتهى ذلك الحب؟ يجيب عن ذلك هو بنفسه أيضاً فيقول:-
– “قد ضاعت يا ماريا من كنت أودّ
ماتت في حضن آخر..” [ماريا – ديوان مقتل القمر] لينزح بعدها إلى الشمال، وتظل ذكريات هذا الحب الضائع تحمل له الأنين والألم، مبعثه عينان خضراوان تطلان عليه من بين سحب المدينة..
– ” فيا ذات العيون الخضر..
دعي عينيك مغمضتين فوق السر..
لأصبح حر..
لأصبح حر..” [ براءة – ديوان مقتل القمر ] ***
* الوقفة الثانية: المدينة.. باب مغلق وسيف مسلط..
ومثلما استقبلت المدينة كل القرويين النازحين إليها، استقبلت أمل دنقل، ذلك الشاعر الذي يحيا بقلب فارس، الذي فوجئ بنفسه كالدخيل على عالم تحكمه المادة، ويهيمن عليه الزيف في كل جوانبه وأركانه، وتطغى عليه القسوة، وتتراجع فيه المشاعر والأصالة والصدق كالسلع الكاسدة، لينشأ الصراع بين القروي النبيل، وعالم لا يعترف إلا بالمادة، ويجسد أمل رأيه في عالم المدينة بقوله:-
– “الناس هنا في المدن الكبرى ساعات..
لا تتخلف.. لا تتوقف .. لا تتصرف..
آلات .. آلات .. آلات..” [ماريا – ديوان مقتل القمر] ومن أهم القصائد التي تجسد صراع أمل مع عالم المدينة قصيدتا: “مقتل القمر” التي احتلت عنوان الديوان كله، وقصيدة “حكاية المدينة الفضية”.. ففي الأولى اتهم أمل سكان المدينة بقتل القمر.. والقمر – ها هنا – رمز للأصالة والنقاء والقيم الصادقة النبيلة، فيقول أمل مخاطباً أهل القرية:-
– “يا أبناء قريتنا أبوكم مات.
قد قتلته أبناء المدينة..
ذرفوا عليه دموع إخوة يوسف.. وتفرقوا..
تركوه فوق شوارع الأسفلت والدم والضغينة.. ” [مقتل القمر – الديوان بنفس الاسم] لكن في القرية ما زال النقاء موجوداً، ما زالت القيم الصادقة والأصالة موجودين، ما زالت الحياة نفسها موجودة وملموسة، فيقول:-
– “حط المساء.. وأطل من فوق القمر..
متألق البسمات.. ماسيّ النظر..
يا إخوتي.. هذا أبوكم ما يزال هنا..
فمن هو ذلك الملقى على أرض المدينة؟؟
قالوا: غريب.. ظنه الناس القمر..” [مقتل القمر- القصيدة] أما قصيدة “حكاية المدينة الفضية” يكشف مدى القسوة والقبح اللذين يهيمنان على عالم المدينة، حيث كل شيء بمقابل، والمصلحة المادية هي الغالبة، فضلاً عن الأنانية والانتهازية، يحكي أمل قصته مع المدينة، التي رفضت استقباله في البداية، ويصف لنا هذا القبح المهيمن عليها أبلغ وصف فيقول:
– “يا طريق التل.. ما زالت على جنبيك آلاف النفايات..
لسكان القباب المصمتة..
من قمامات البقايا الميتة
وزجاجات خمور فارغة..
وكلاب والغة..
ورماد.. وورق..” [حكاية المدينة الفضية – ديوان تعليق على ما حدث] ولا يبقى لأمل سوى الحلم.. الحلم بمدينة فاضلة “يوتوبيا” من صنع الخيال، لكن حتى هذا الخيال يصطدم بالواقع البغيض فيتبدد ما فيه من نقاء وجمال:-
– “وأرحل في مدن لم أزرها..
شوارعها فضة..
بناياتها من خيوط الأشعة
وألقى التي واعدتني على ضفة النهر واقفة..
وعلى كتفيها يحط اليمام الغريب..
أحبك..
صار الكمان كعوب بنادق..
وصار يمام الحدائق..
قنابل تسقط في كل آن..” [مزامير – ديوان العهد الآتي] وهكذا يضيع الحلم في “يوتوبيا” التي رسمها الشاعر بالخيال على قبضات الواقع الكئيب..
لقد كان شعر أمل دنقل – بحق، وكما قال الشاعر عبد الرحمن شرقاوي – “شعرًا أولاً” مثل شعر امرئ القيس في البكاء على الأطلال..
***
* الوقفة الثالثة: فارس طريد.. وآلام أمة..
مع نزوح أمل دنقل إلى المدينة، وتنقله بين ثلاث مدن رئيسية: القاهرة والإسكندرية والسويس، انغمس في الحراك السياسي، وأنشبت آلام الأمة أظفارها في قلبه، فأظهر توجعاته في صورة قصائد ملتهبة، بدأها بـ “كلمات سبارتاكوس الأخيرة” عام 1962م، تلك القصيدة التي كانت صرخة في وجه الطغيان والقمع والامتهان، والقصيدة تشكلت من صوتين متغايرين: صوت يدعو للتمرد والثورة من أجل الحرية، وصوت يدعو للخنوع والاستسلام للطغيان، وكأنه يريد أن يترك للقارئ حرية الاختيار بين الغايتين.. أو لعله يريد أن يفتح الجرح ويطببه في نفس الوقت..
استمع إلى الصوت الأول وهو يقول:-
– “المجد للشيطان معبود الرياح..
من قال “لا” في وجه من قالوا “نعم”..
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال “لا” فلم يمت.. وظل روحاً عبقرية الألم..”
إن هذا المقطع الصادم الذي – ظاهره – يمجد فيه الشيطان، هو في الحقيقة دعوة للتمرد، والسعي للحرية، بينما جاء الصوت الثاني يقول:-
– “لا تحلموا بعالم سعيد..
فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد..
وخلف كل ثائر يموت أحزان بلا جدوى..
ودمعة سدى..”
ويختم القصيدة بقوله:-
– “فقبلوا زوجاتكم.. إني تركت زوجتي بلا وداع..
وإن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع..
فعلموه الانحناء..
علموه الانحناء”..
هذه كانت البداية.. إن معركة دنقل أولاً وأخيراً كانت من أجل الحرية، تلك الكلمة التي تبدو غريبة على مجتمعاتنا العربية، لكن الحرية ليست المطلب الوحيد في ظل مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والفساد والطبقية، وغيرها من الأوبئة التي ترعاها الأنظمة وتصرخ منها الشعوب، وفوق ذلك الاستعمار والصدام مع قوى الغرب والكيان الصهيوني، وما حمله للأمة من ويلات أخرى أشد، فكانت تلك هي الأودية التي تحرك فيها ذلك “الحصان الجامح”، لم يكن يملك سلاحاً سوى الشعر الذي خرج لنا حاراً ملتهباً، معبراً عن كل تلك الأوبئة التي لم تزل تعاني منها الأمة العربية حتى اليوم.
ومن أهم كتاباته في هذا الشأن (الأرض والجرح الذي لا ينفتح) التي تكشف عن كثير من أوجاع الأمة، وتلقي الضوء على أسباب تلك الأوجاع.. وقصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التي تعد أروع مرثية لهزيمة 1967م، و(حوار خاص مع أبي موسى الأشعري) التي تنبأ فيها بتلك الهزيمة الساحقة قبل وقوعها بعدة أشهر، و(سفر الخروج – أغنية الكعكة الحجرية) التي كانت دعوة صريحة للثورة، و(لا تصالح – الوصايا العشر) التي تنبأ فيها بكارثة “كامب ديفيد” وصرخ برفضها قبل حدوثها بأعوام، وغير ذلك من القصائد الملتهبة التي جسدت آلام الأمة..
ونتوقف مع إحدى هذه الصرخات، ونستمع إليه وهو يقول في حزن وألم مخاطباً مصر الأم:-
– “عندما تهبطين على ساحات القوم لا تبدئي بالسلام..
فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام.
بعد أن أشعلوا النار في العش .. والقش .. والسنبلة..
وغداً يذبحونك بحثاً عن الكنز في الحوصلة..
وغداً تعتدي مدن الألف عام.. مدناً للخيام..
مدناً ترتقي درج المقصلة..” [أغنية الكعكة الحجرية – ديوان العهد الآتي] ***
* الوقفة الرابعة: لغة الموت في قاموس أمل دنقل:-
إن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثير من المتتبعين لشعر أمل دنقل يكمن في قصر مادة الموت على ديوانه الأخير (أوراق الغرفة 8) الذي كتب قصائده خلال فترة مرضه من عام 1979 إلى عام 1983، حيث قضى أغلب تلك الفترة في المعهد القومي للأورام حتى رحيله..
صحيح أن قصائد هذا الديوان تتناول فلسفة الحياة والموت، وذكريات الماضي والاستعداد للانتقال للحياة الأخرى، مما يذكرنا بتراث الشعراء القدامى أمثال المعري والمتنبي وابن الرومي وغيرهم، ولكن بنكهة عصرية، تحمل إشارات عميقة وذكية جداً مثلما في قصيدة (ضد من؟) التي ينبهنا فيها إلى أن اللون الأبيض هو لون الموت عكس ما يعتقده عامة الناس، واللون الأسود هو تميمة للنجاة من الموت، ولهذا يلبسه الناس في الحداد والعزاء..
لكن المتفحص لشعر دنقل بدقة سيجد للموت حضوراً قوياً منذ بداية ظهور شاعريته، لدرجة أنه يندر وجود قصيدة له على مدار حياته الشعرية يخلو من ذكر الموت، وسيجد مادة الموت بكل مفرداتها ومرادفاتها ومشتقاتها ذائعة في شعره ذيوعاً غريباً، وكأنه كان يرى الموت في كل شيء حوله..
والحقيقة أن هذا ليس بمستغرب، فبالنظر إلى سيرة أمل الذاتية سيجد حالتي وفاة حدثتا قريباً منه في طفولته، أخته التي توفيت صغيرة ذات عامين أو ثلاثة، ووالده الذي رحل عنه وهو في سن العاشرة.. يقول أمل:-
– “أتذكر..
مات أب نازفاً..
أتذكر..
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر..
أختى الصغيرة ذات الربيعين..
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها..” [الجنوبي – من ديوان أوراق الغرفة 8] أي ان الموت عبر بجوار ذلك الطفل المرهف مرتين، ورصدته حاسة ذلك الطفل، وتركت آثارها في وجدانه، فتشبع بفكرة الموت وحضوره القوي في كل الظواهر والأحداث الجارية من حوله، فاصطبغ بها شعره بكافة ألوانه..
وهكذا أصبح ضياع الحب بالنسبة له موتاً:-
– “قد ضاعت يا ماريا من كنت أودّ
ماتت في حضن آخر..” [ماريا – ديوان مقتل القمر] كما يرى الموت في القمع وتعسف السلطة:-
– ” ربما دس هذا المحقق لي جملة..
تنتهي بي إلى الموت..
زمن الموت لا ينتهي يا ابنتي الثاكلة..” [سفر ألف دال – ديوان العهد الآتي] كما يراه في الطبقية وغياب العدالة:-
– “أنا الذي ما ذقت لحم الضان..
أنا الذي لا حول لي أو شان..
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان..
أدعى إلى الموت ولم أدعَ إلى المجالسة..” [البكاء بين يدي زرقاء اليمامة – الديوان بنفس الاسم] وحتى في دعوته للثورة يطلب مواجهة الموت، فيقول:-
– “المنازل أضرحة..
والزنازن أضرحة
والمدى أضرحة
فارفعوا الأسلحة ..
ارفعوا الأسلحة..” [أغنية الكعكة الحجرية – ديوان العهد الآتي] وهكذا ظل الموت مهيمناً على فكره وعاطفته، وعلى مادة شعره، وعلى رؤيته للحياة والواقع من حوله، حتى أصبح يراه رأي العين في أيامه الأخيرة:-
– “أمس فاجأته واقفاً بجوار سريري..
ممسكاً بيد كوب ماء..
ويد بحبوب الدواء..
فتناولتها..
كان مبتسماً..
وأنا كنت مستسلماً لمصيري..” [لعبة النهاية – ديوان أوراق الغرفة 8 ] وهكذا كانت النهاية.. نهاية حصان جامح في معركة خاسرة.. وكسبه الشعر..
***

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق