رُكن المقالاتمقالات اجتماعيةمقالات سياسيةمنتدي أوراق عربية

في ذكري ثورة يوليو ، حامد بدر لأوراق عربية … ماذا تعلمنا من جمال عبد الناصر؟

 

يعد جمال عبد الناصر حد من الحدود الفاصلة في مسيرة التاريخ المصري بل والعربي والعالمي – دون مبالغة – فأول ما يمكن أن نستشهد به على هذا الكلام هو أن هناك مرحلة فارقة استنزفت بحثًا وما زال فيها الكثير تدعى المرحلة الناصرية .

والتي شهدت تحولاً في شتى الأصعدة والمستويات لاسيما السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية “إيجابًا وسلبًا”.

ولست أكتب لأتحدث عن عبد الناصر وعهده سياسيًا، ومجتمعيًا، واقتصاديًا، فإنها مسألة مكتوب ومسرود فيها كتابات ومقالات كثر تثري من هذا الشأن كل عقل متسائل عنها وقد تشبع الكثير من رغباته نحو المعرفة بها،

إنما أريد أن أطرح مجرد فكرة ألا وهي “فلسفة” أراد جمال عبد الناصر طرحها على أقل التقديرات، وبخاصة بعد أن نجح انقلاب يوليو الذي تحول إلى ثورة شعبية جارفة أطاحت بحكم فاروق الاول الملكي،

لتتحول مصر إلى عهد جمهوري يعتمد ستة مبادئ معروفة وهي مبادئ يوليو 52،

رُغم إنكاره النظرة الفلسفية في كتابه “فلسفة الثورة” الجزء الأول الذي كتبه،

ثم قام بتحريره أدبيًا وصحفيًا الراحل محمد حسنين هيكل، لكنه أراد تكوين نموذج فكري لشعب غلبت عليه الأمراض والجهالة والفقر،

وواجه حراكًا حقق له في البداية جزءًا من الحريات ثم لم يلبث أن واجه الصعوبات.

وللمرة الثانية بعيدًا عن التعرض لخصائص المرحلة سياسيًا، واقتصاديًا، و.. و .. ،

لكن البكباشي جمال عبد الناصر سعى في مسيرة كفاحه إلى تحقيق فكر شاب فقير ضعيف شعر بتكتل كل الظروف والأزمات في وجه طموحه الجارف الذي شكَّل ماردًا أراد الخروج من قمقم المستحيلات،

التي شكلت أمام بُسطاء هذا الشعب – حينئذ – “إن جاز التعبير” سدًّا منيعًا حال بينه وبين رؤى التحرر وإمكانية التواصل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.
إن جمال عبد الناصر شابٌّ أراد الخروج من ذلك القُمقم – حسب فلسفته ومدرسته العسكرية التي صُبِغَ بصبغتها – فسعى في كل مراحل حياته إلى الخروج من ظلاميات الضعف وقلة الحيلة..

الابتعاد عن السطحية

لقد حاول المناضل الذي أبى أن يتخذ مقعد أستاذ التاريخ أن يرسخ تلك الفكرة بطريقة أو بِأُخرى في كتابه “فلسفة الثورة”، ففي ثلاث فقرة تلخص أسباب قيام الثورة 23 يوليو وضح فكرة هامة للغاية،

حيث يقول: ” ثورة 23 يوليو هي تحقيق للأمل والحلم الذي راود شعب مصر، منذ العصر الحديث،

حلمهم في أن يكون حكم الشعب بأيدي أبنائه، وأن يكون الشعب هو صاحب الكلمة العليا في تقرير مصيره.
ولم تقم ثورة 23 يوليو بسبب النتائج التي أسفرت عنها حرب فلسطين،

أو بسبب ما يُعرف بالأسلحة الفاسدة التي راح ضحيتها جنود وضباط، أو بسبب ازمة انتخابات نادي ضباط الجيش، إنما الامر في رأيي كان أبعد وأعمق أغوارًا.

ولو كان ضباط الجيش حاولوا أن يثوروا لأنفسهم لأنه قد غرر بهم في فلسطين،

أو لأن الأسلحة الفاسدة أرهقت أعصابهم لما كان الأمر يستحق أن يكون ثورة, ولكن أقرب الأشياء إلى وصفه أنه مجرد تمرد, حتى وإن كانت الأسباب التي أدت إليه منصفة عادلة في حد ذاتها.

لقد كانت هذه كلها أسبابًا عارضة…

” لقد أراد أن يبتعد بالتفكير عن السطحية في عرض الأسباب والعوامل المؤدية لحدث حوَّل من مسار الإرادة المصرية،

ليشد الانتباه إلى فكر أعمق هو الخروج من قمقم المستحيل والانطلاق إلى تحقيق شيء كاد أن ينساه بسطاء الشعب ألا وهو الكرامة.
ولعله برر موقفه وأثبت الابتعاد عن السطحية في فقرة أخرى تلت الفقرات الثلاث السالفة بكثير

” وأنا أحاول بقدر ما تستطيع طاقتي البشرية أن أمنع نفسي من أن تغير كثيرا من شكل الحقيقة ، ولكن إلى أي حد سوف يلازمني التوفيق ؟”

الشعور بالغير “كمال المسئولية”

إحساس الراعي برعيته يجعله على صلة ودية معهم مهما ابتعدت المسافات، والفكرة هنا أن سرعة البده

“المعروفة لدينا بالبديهة”، وفهم الأجواء المحيطة يتيح جوًّا متغامًا من الرشد في إدارة الاوضاع.. وكذلك إحساس الإنسان بالغير قد يجنب المجتمعات كثير من الظواهر السلبية التي باتت راسخة امام عيوننا حتى الآن او على الاقل يقلل منها.

يُذكر أن فى إحدى المرات كان “جمال” ذاهب إلى أسوان فى القطار، توقف القطار فى إحدى المحطات وفجأة أُلقى من شباك القطار عليه (بؤجة أو صرة) عبارة عن منديل محلاوى مربوط سقطت بين أرجل الموجودين بما فيهم جمال عبدالناصر..

وكانت مفاجأة للحراسة طبعا وللموجودين، فالتقطها ضباط الحراسة بحذر شديد جدا وفتحوها..

وكانت المفاجأة أن بها رغيف خبز من عيش البتاو وبصلة فقط ولم يفطن أحد من الموجودين لمعنى هذا أو مغزاه إلا أن جمال عبد الناصر الصعيدى الأصيل لمح الرسالة من هذا الرجل البسيط الذى ألقاها..

فأخرج عبدالناصر رأسه من النافذة بسرعة محاولا أن يرى الرجل الذى عدا مهرولا لبعيد وقال له «الرسالة وصلت يا بويا.. الرسالة وصلت».
وما كانت النتيجة سوى خطاب ألقاه “ناصر” فى مساء هذا اليوم وفى أسوان قال فيه:

«يا عم جابر.. أحب أقول لك إن الرسالة وصلت وأننا قررنا زيادة أجر عامل التراحيل إلى 25 قرشا فى اليوم بدلا من 12 قرشا فقط، كما تقرر تطبيق نظام التأمين الاجتماعى والصحى على عمال التراحيل لأول مرة فى مصر».

موقف واضح يعلمنا كيف نتحمل المسئولية ونكون مشغولين دومًا بتحقيق أقل وأدق الأهداف أمام أعيينا للوصول إلى هدف كنا قد رأيناه مستحيلاً.

وحدة الصفّ

لو قمنا باستعادة الفيديوهات والتسجيلات المصورة لحادث إطلاق النار عليه في المنشية المعروفة لدى الكثيرين، وبعيدًا عن دوافعها لوجدنا كلمة قالها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وهي “فليبق كلٌ في مكانه”،

وكأن الفكرة التي باتت مسيطرة على عقل الزعيم الراحل هي وحدة الصف، والذي أراد أن تبقى كي لا تعصف بأحلامه كزعيم للأمة على صعيد أنه رئيس، وعلى صعيد أحلامه كشاب.

من الطبيعيٌّ جدًا أنه شاب وقف على مسيرة طريق أراد فيه تحقيق حلمه الذي فاجأ به العالم،

إذ اعتقدت كثير من الدول وكثير من الرؤى والالباب أنه لن يلبث سوى ساعة ويسقط، فكانت نظرة الكثيرين إليه أنه هو ومجموعة الضباط الأحرار شباب قليلي الخبرة حديثي العهد بالقيادة لا كفاءة لديهم للسيطرة على الأوضاع.

إلّا أن الإصرار كان حليف هذا الشاب الذي استطاع فيما بعد أن يؤمم قناة السويس ويأخذها أخذة عزيز لا أخذة دبلوماسي يقبل بالاخذ والعطاء في الشروط أو شحّاذ ينتظر المنحة والعطاء، كما تمكن من إشعال ما سُمِّي فيما بعد بثورات التحرر العربي.

كلها كانت تداعيات ونتائج لوحدة الصف المصري والعربي.

وفي الختام لا مجال للإسهاب في ما قدمه جمال عبد الناصر، فالكلام في هذا الشأن قد يحتاج إلى سلسلة من المقالات والتحليلات، ولكن – وأكرر – ليس الهدف من سردي الحديث عن تحقيق طموحات أو أهداف عسكرية في العهد الناصري،

وإنما إبراز جانب فلسفي لرجل استطاع أن يكون مرحلة فارقة تُعَنوَن لأجلها دراسات واستنتاجات كثيرة..
وعلى المستوى الشخصي فالزعيم الراحل بشر له ماله وعليه ما عليه، أخطأ وأصاب،

وما الزعامة سوى كلمة للتاريخ تبيت على وضع وتصبح على آخر، لكنه يبقى مصدرًا من من مصادر الإلهام لكل متحرر من القيود لكل طامح في البناء والكرامة لكل ساعٍ نحو القوة والوحدة

.. قد يتفق البعض .. ويختلف الكثيرون .. ولكن ..جمال فكرة .. والفكرة لا تموت .. فهل من مُستَلهِم؟

والسؤال الذي علينا أن نقرأه جميعًا قيادةً وشعبًا وباحثين أو حتى من لم يهتم للأمر برمته :

” ماذا تعلمنا من جمال عبد الناصر؟”.

لمتابعة المزيد من كتابات حامد بدر  / مقالات سياسية – موقع أوراق عربية 

لمتابعة المزيد من الأعمال بـ مقالات سياسية موقع  أوراق عربية علي فيسبوك 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق