رُكن المقالاتمقالات تاريخيةمنتدي أوراق عربية

حامد بدر لأوراق عربية …. سَبِق مسلسل النهاية .. ماذا كتب “توفيق الحكيم”؟! – مقالات

حامد بدر لـ أوراق عربية …. سَبِق مسلسل النهاية .. ماذا كتب “توفيق الحكيم”؟! – مقالات

“في ذلك العصر صارت الدنيا إلى وضع يتعذر على الخيال تصوُّره .. فلقد اختلفت الحروب وانقرض المرض، ومُحي الموت …

لقد تغلّب العلم على الموت منذ مئات الآلاف من السنين … لم يعد هناك قوم يموتون .. لم يعد هناك قوم يولدون أيضًا … فالزواج للنسل انقرض كذلك منذ هذه الأحقاب، فالعلم هو الذي يجهز بكتريا النسل الآدمي في معامله …”.

هذه الفقرة كانت استهلالاً قصة “في سنة مليون” التي ضمتها مجموعة (أرني الله) القصصية الفلسفية،

الصادرة للراحل الأديب الكبير توفيق الحكيم، الصادرة عن دار مصر للطباعة عام 1953،

والتي يحاول مؤلفها أن يصف فيها ما سيحدث السنة المليون بعد الميلاد – حد وصفه – ليلج بأسلوبه المرن الماكر في القص والسرد داخل تفاصيل ما يراه بعضهم أنه (آخر الزمن)، لتختلف مسارات الحدث المتباينة، ويذكر فيها تحوُّلاً جديدًا –

يراه من وجهة نظره جللاً – يتجه على إثره العالم نحو فكرة التقنية غير العادية التي سيسهل أمامها كل شيء

وتنتهي كل العقبات التي تواجه العلماء والنوابغ، فسيموت الموت ذاته، الذي سيكون مصطلحًا قد انتهى.
يسترسل “الحكيم” في فقرات النص، ليقول أن ما إن انتهى الموت حتى صار الناس لايتفاهمون ولا يذكرون لهم تاريخًا

ولا ماضٍ، حتى النسل أصبح شيئًا غير مطروحًا على ساحة الأولويات البشرية،

وبخاصة بعد انتهاء الميول الغريزية وأنه بالإمكان تحضير – ما أسماه – بكتريا النسل الآدمي، فما أبسط في هذه الأيام

التي تلت التدمير النووي الذي حطَّم الكرة الأرضية – المفترض أنه حدث من 500 ألف سنة – وزالت معه مشاعر الحب، والاطمئنان، والخوف، والصراع، وغيرها، فما بقى من الإخوة غير زمالة المواطن للمواطن على الكوكب ومن الحاجة والرغبة سوى الرفاهية التي زالت معها كلمة الملل،

والإشباع الذي أضحى مجرد لا وجود له، وما بقي من العلوم سوى علوم التفاعلات والتطوير التقني التي محت علوم الاجتماع، والتاريخ، والفلسفة، .. وغيرها من العلوم التي تعتمد على المجتمع البشري،

وتتخذ من أفراده عينات تستحق الدراسة والكتابات المنهجية الطائلة، لأنه ببساطة فقدت الكلمة ما هيتها الملفوظة،

فتحوَّل النطق إلى أفكار تتناقلها رؤوس “أصحابها جلوسٌ في صمت” .
وفي خضم التفاصيل، يسرد “الأستاذ الحكيم” حكاية تقلب القصة رأسًا على عقب، لتعد نقطة التحوُّل في التفكير البشري الحادث، يلخص تفاصيلها في جملة “ليس أصعب من أن تحدِّث إلهًا في هذه الأيام عن تاريخه أو مستقبل،

فإن هذين الوصفين لا معنى لهما لمن يوجد دائمًا” .. نعم لقد صار الإنسان في هذا العهد خالدًا لا يشعور بأية أطر موقفية تحدث حوله، فقد زالا قيْدي هذه الأطر “الزمان” الذي كان يستبقه كيما الفارس في ماراثون الخيل،

و”المكان” الذي كان حدوده المادية الملموسة.
في خضم الأحداث ينتبه أحد علماء الجيولوجيا، إلى قطعة في أعمق حفرة داخل القشرة الأرضية

تشبه الرأس التي يمتلكونها تمامًا، والتي تتمركز فيها مصادر مجالات الرؤية وإدراك الأصوات، إذ في العام مليون،

صار السمع والبصرُ أدوات تحديد إدراكية، أكثر من كونها حواسًا، ليينهش الرجل وتبدأ معه مغامرة يناقش فيها علماء الأرض ليسألهم عن مرادفًا هو “الموت”،

والتي تسبب له الكثير من المشكلات،

التي تبدأ بتجمع بعض المؤمنين – البُلهاء في نظر من يؤمنون بالمادية المطلقة –

والتي سُرعان ما تحوَّلت إلى طاقة مضادة ووقوف متعنت من الهيئة العلمية.
تتحول الطاقات المضادة إلى خصومة وتكذيب من أهل الرأي أو المركزيون الذين يمنهجون أفكارهم بطريقة عُليا،

لتظهر فئة مهضومة يتبعون ذلك العالم الذي صار أمامهم كنبي، سُرعان ما يحاول النظام العالمي القائم أن يقمع الفكرة بأساليب لا تختلف عن أساليب الأشرار من قبل 500 ألف عام، فيخطفون صاحب الفكرة،

ويمنعون الناس الطاقة التي كانوا يعتمدون عليها، فيتحوَّل الناس إلى الخوف، الذي يؤدي بهم نحو الحاجة إلى

قوة أكبر من الماديات، فيلجأون إلى قوة “الله الأكبر”، الذي كانت فكرة قد طـُرحَت “سلطة العلم” بديلة عنه..
ويلقي “الأستاذ” بفكرة تفيد بانتفاء العالم المركب داخل أقبعة المعامل، فتسود ما يعتقده “المركزيون” الفوضى،

وتخرج لأول مرَّة كلمة “الرغبه”، يتبعها مشاعر “الحب”، فيظهر الفن والإحساس، فوتُحكم الطبيعة بإلهها، وتعود الديانات السماوية، ويعود الشعراء ينشدون “أيها الإله الأكبر .. لك أنت وحدك الخلود والجبروت .. أما نحن فلا نريد غير عمر الندى .. تهبط من السماء عند الفجر .. وتصعد إلى السماء عند الضحى”.
لقد سبق “الحكيم” الكاتب عمرو سمير عاطف مؤلف مسلسل “النهاية” المعروض في الموسم الرمضاني 2020،

بقرابة نصف قرن، وكلٌ سافر بأذهاننا نحو حَكايا نهاية العالم من وجهة نظره ووفق إبداع وصنيعة

تنبري أمام عقول ونظر الناس، وفي ذلك فليتنافس المبدعون..

 

 

لمتابعة المزيد من المقالات / أوراق عربية – مقالات 

 لمتابعة مزيد من الـ مقالات / أوراق عربية علي فيسبوك

______________
أرني الله .. مجموعة قصصية شهيرة يتناول فيها توفيق الحكيم بأسلوب فلسفى عميق حياة الانسان الروحية والمادية،

وتعد هذه المجموعة إحدى مؤلفاته التي تم إعادة انتاجها عبر عدد من دور النشر.

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق