منتدي أوراق عربية

لا تسألني من أنا ! …… رباب طلعت – خاص لأوراق عربية

في الصف الأول الابتدائي وفي أحد الدول العربية كانت بداياتي التعليمية والحياتية على السواء, تلقيت دراستي بعيداً عن أرض الوطن ولكن ليس بعيد عن الوطن الأكبر “الوطن العربي”, كان المشهد الصباحي المعتاد في المدارس العربية على اختلافها هو طابور الصباح والعلم المرفرف وأصوات الأطفال التي تتسابق لتحتضن الأفق وهي تنشد الأناشيد الوطنية في ابتهاج الطفولة وبراءتها وانتمائنا الفطري للوطن الواحد “الوطن الأكبر”, فلا يهم لأي وطن ندعو بالحرية والحياة مادام هو جزء من الوطن الأكبر ومادام الذي نتضرع إليه بالدعاء هو إله واحد, تتوحد صفوفنا وتتشابك أيادينا استعداداً للصعود للصفوف التعليمية التي نمر عليها واحدة تلو الأخرى وتمر علينا السنوات فيها واحدة تلو الأخرى, وتبدأ فيها صداقات العمر واحدة تلو الأخرى وتنقش فيها دروس الحياة واحدة تلو الأخرى.

ومن بين الصداقات التي ولدت في صفوف الغربة كانت صداقتي مع رفيقات دربي اللاتي جمعتنا الغربة على اختلاف أوطاننا وانتماءاتنا الدينية والعرقية, ولدت صداقاتنا ككل صداقات الطفولة لا تفرق بين أحد منا ,فمفهوم الصداقة عندنا هو المفهوم الإنساني العميق, المفهوم الانساني الذي كلما كبرنا وانغمسنا في دنيويات الحياة غاب عنا وزادت الفجوة وحُملت القلوب بالكره وتباعدت وعلت أصوات الكراهية, المفهوم الإنساني الذي ينص على أننا كلنا عباد الله المبعوثين في أرضه والمنتمين لصلب أب واحد هو آدم عليه السلام ومن رحم أم واحدة هي حواء وكلنا أخوة لا فرق بيننا غير أن منا من ضل ومنا من اهتدى فمن ضل فعلينا هدايته ومن اهتدى فعلينا مباركته وإلى الله مثوانا جميعا يحكم بيننا فيعاقب من ضل ويثاب من اهتدى .

في ساحة المدرسة كنا نلهو جميعا فلا أعلم عن صديقتي سوى اسمها فلا يهمني إلى أي دين تنتمي ولا أي طائفة تتبع ولا بأي لسان تتحدث ولا بأي لون خلقت, فكلنا أطفال يرعانا الله تعالى, ويحمي فتنتا من التلوث بعنصرية الكبار, وفي ساحة المدرسة ذاتها وبعد عامين دراسيين اشعلت العنصرية المتوارثة في نفوس أحد زملائنا النار في قلوبنا ونزعت مني صديقتي المقربة ليومين لأنها مسيحية, وما يعني الإسلام أو المسيحية في عقول أطفال صغار؟ لا أذكر كيف وقعت الحادثة وكيف انتهت ولكني أتذكر جيداً كلمات أحد طالبات الحافلة المدرسية والتي تكبرني بأعوام يومها, “عيب نسمع كلام الشيطان ونخاصم بعض احنا كلنا زي بعض وبنحب ربنا وربنا بيحبنا واحنا متصالحين ”

, عدت إلى المدرسة في اليوم الثاني وصافحت صديقتي وكأن شيئاً لم يحدث وعدنا للهو الطفولة, وبعد بضع سنوات عادت الكرة مرة أخرى ولكن كان نزاع فتيات في عمر الزهور واحتد الخلاف الطائفي أو كتعبيراً أدق العنصري يومها والتزمنا بعدها الصمت لنحافظ على صداقتنا التي أصبحت جزء منا و ولكن هل عادت النفوس كما كانت وهل انتهى النزاع كما انتهى في الحادثة الأولى ؟ بالطبع لا لأن نفوسنا تغيرت وتفكيرنا العنصري توطد, ومفهومنا للحب اختلف . مرت السنوات سريعاً وفي كل مرحلة عمرية كان لي صديقة تختلف عني في الدين أو الطائفة أو الجنسية ولكن الاختلاف لم يكن شيئا مذكورا فعندما تتلاقى القلوب يتوارى شيطان العنصرية عن الأنظار, توقفت النزاعات العنصرية وكان تفسيري لذلك أن أفق انسانيتنا توسع مع توسع أفق معارفنا ولكن الحقيقة الصادمة كانت أن السبب الحقيقي هو أننا اصبحنا نغمض أعيننا عن نار العنصرية ولا نطفئها ننكرها ونحن نعلم جيداً انها متوارثة فينا, نظهر أننا نحاربها وهي بداخلنا وبشدة .

لعل الذي أظهر لي تلك الحقيقة هي متابعتي لكثير من النقاشات التي تدور على صفحات الفيس بوك وتويتر وغيرهم من مواقع التواصل الاجتماعي, ومنهم احد النقاشات التي أصر فيها أحد الأطراف المتنازعة أن يعترف الآخر بدينه فأبى الآخر وطالب بدوره أن يعترف الأول بدينه فأبى, فاحتد النزاع وتدخل الكثير ليطفئوا النار المشتعلة ولكنهم احترقوا بها, واحترقت أفكاري الضالة التي لطالما أقنعتني بعدم وجود الفتنة والتي دائما ما كانت تردد على مسامعي وعلى مسامع الآخرين إن الفتنة كذبة مضللة تلهينا بها الحكومات عن فسادها, ولكن على ما يبدو أن الحكومات بالفعل نجحت في العناية ببذور العنصرية الدفينة في نفوسنا فكبرت وترعرعت في الظلام , والتي أصبحت لا تجدي معها النصائح المحفوظة والارشادات التي تتردد على مسامعنا بأهمية تقبل الآخر والاعتراف به والمحبة والمودة والصفاء, فنحن نرددها على مسامعنا مرة أخرى وعلى أصدقائنا وابنائنا لكي نتأكد من أننا حفظناها كأي شيء يحفظ في بلادنا بلا فهم.

ولكننا يجب أن نفهم أن أولى خطوات علاج المرض هو اعتراف المريض بأنه مصاب بالمرض ولذلك يجب أن نعترف بعنصريتنا لكي نتخلص منها, فنحن لا نعترف بشيء فقط نكابر وننكر الحقائق , نحن دائما نردد بأننا بخير ونحن أبناء وطن واحد ونحن في مركب واحد ويحب كلاً مننا الآخر وكل هذه العبارات التمويهية عن الحقيقة المرة أننا لا يتقبل كل مننا الآخر لأننا لا نعترف بالآخر . أنا لا أطالب أحد بأن يعترف بي أو بمعتقدي ولا أريد من أحد أن يطلب مني الاعتراف به أو بمعتقده , ولكن أدعو الجميع بأن نعترف بإنسانيتنا التي توحدنا على اختلافاتنا , نحن بشر ليس كل منا كالآخر وليس كل ما يهواه أحد يتقبله الآخر , ولكننا وُجدنا سوياً على نفس الأرض فلذلك نحن مطالبون بتقبل الآخر ومطالبون بمحبة الآخر والاعتراف بحرية الآخر في الاعتقاد والانتماء, فنحن لسنا أوصياء على أحد , ونحن لا نملك مفاتيح الجنة والنار , نحن فقط نملك اخلاقنا وأفئدتنا, وكل ما يهمنا في تعاملنا مع الآخر هو أنه انسان , ومقياس حكمنا عليه هو اخلاقه وانسانيته , فأنا انسان لا يهمني ما دينك وما لونك وما لغتك, فقط يهمني ما خلقك .

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا 🙂

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق