منتدي أوراق عربية

أحمد المنسي يكتب ….. نفوس حائرة

نفوس حائرة-1

 

وردت إلي هذه الرسالة باسم هـ.أ قالت فيها :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ما أخبار شخصكم الكريم ؟ متعكم الله بدوام الصحه والخير.

كنت أريد أن أستشير حضرتك في مسألة وأريد فيها إجابه واضحة وعملية.

لماذا عندما يخطئ الإنسان سواء في حق نفسه او في حق الآخرين ويكفر عن هذا الخطأ ويندم سواء كان الخطأ كبيرا أو صغيرا ويتقرب من الله طالبا المغفرة في أي خطأ أو ذنب , وبرغم كل تكفيره عنها لا يشعر انه كفر عنها كما ينبغي وانه مهما فعل سيحاسبه الله عليها ولن يسامحه مهما كانت نيته ؟

أعرف أن هذا الشعور سيء ولكن لماذا أشعر به ؟ ولماذا أشعر أنني مقصرة مهما فعلت من خير ؟ .

ومتى يشعر الإنسان أنه لن يخطئ بعد ذلك ولن يرتكب ذنبا ؟ أو يحدث له شيء يجعله يرتكب خطأ , وما هي الخطوات التي تجعلني أقتنع بأي عمل أقوم به ويجعلني هذا العمل في استقرار نفسي سواء من ناحية العمل أو الدراسة وغيره…. وكيف أحمي نفسي من التأثر سلبيا بما يفعله الآخرون وأعيد إلى نفسي الثقة والحماس الذي يجعلني أنجح في حياتي ولا ألتفت للمؤثرات السلبية التي تجعل كل ما أقوم به وكأنه لم يكن ؟.وشكرآ

 

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

النفوس ثلاثة كما وصفها القرآن الكريم , النفس المطمئنة والنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء ..

النفس المطمئنة .. وهذه للذين حسن عملهم واستحسنوا الخير واستقبحوا الشر فلم يجدوا مقاومة من أنفسهم للخير ولا ميلا منها إلى الشر, وهذه النفس قال الله فيها : ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي  إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30). سورة الفجر.

النفس اللوامة.. وهي التي تلوم صاحبها دائما وتراجعه وتوبخه وتؤنبه على كل ما يفعل , فتلومه على الذنوب والمعاصي ( لماذا فعلها؟) وتلومه على الطاعة ( لماذا لم يزد منها ويداوم عليها ؟) , وقد أقسم الله سبحانه بهذه النفس لما لها من طاقة هائلة في التأثير على صاحبها وجعله يتألم بشكل دائم لا يستريح, قلقا من عواقب كل فعل, فقال سبحانه ( لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ) سورة القيامة 1-2.

والثالثة هي النفس الأمارة بالسوء .. ويظن البعض أن هذه النفس تأمر صاحبها دائما بسوء ولا تنهاه عن شر , وهذا اعتقاد خاطئ في نظري , فأنا أعتقد أن عموم الناس وأغلبهم يحملون هذا النوع من النفس , حتى قال يوسف عليه السلام مدافعا عن نفسه حين راودته امرأة العزيز (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) يوسف 53.

 قال إن النفس – يعني أي نفس – فالنفس قد جُبلت على حُب الملذات والشهوات وحُب الخيرات . والشاهد أن هذه النفس إنما تسكن عموم البشر, غير أن البعض ينتصر عليها أحيانا وأحيانا تغلبه.

أما ما يتعلق برسالتك فأنا أعتقد أن لك حظ وفير مع النفس اللوامة وهذا بشير خير , لأن الإنسان جُبل على حب الراحة والانطلاق وعدم التقيد, وقال سبحانه ( وإنه لحب الخير لشديد )- أي الإنسان -, فإذا رزقه الله نفسا تلجمه وتراجعه فهي نعمة كبيرة .

وإن كان لوم النفس صاحبها من علامات السلامة والخير –  وقد وجدت ذلك من حديثك – إلا أنه ينقصك أمر مهم للغاية وهو حسن الظن بالله .

الإنسان وأعداؤه ( النفس والهوى والشيطان ) في صراع دائم ومستمر , فتارة يغلب الإنسان وينجو, وتارة يغلبه أعداؤه ويقع الإنسان في الخطأ , فإذا استغفر الإنسان لذنبه ثم ظن أن الله لن يغفر له كان هذا أعظم من الذنب نفسه , يقول ابن القيم رحمه الله :

(ومن ظنَّ أن الله يُضَيِّعُ عليه عملَه الصالحَ الذي عملَه خالصاً لوجهه الكريمِ على امتثال أمره، ويُبطِلَه عليه بلا سبب من العبد، فقد ظَنَّ به ظنَّ السَّوء.

ومَن ظنَّ به أنه إذا ترك لأجله شيئاً لم يُعوِّضه خيراً منه، أو مَن فعل لأجله شيئاً لم يُعطه أفضلَ منه، فقد ظنَّ به ظن السَّوْءِ. (

فعلى الإنسان أن يحسن الظن بالله ولا يقنت من رحمته, وإن كانت ذنوبه كثيرة فإن عفو الله وغفرانه أكبر وأعظم.

يظل الإنسان يخطئ ويذنب ما دام حيا , ولكن الأخيار يسارعون بالاستغفار ويداومون عليه , حتى تمل المعاصي من كثرة الاستغفار .

ومن مداخل الشيطان للإنسان ليفسد عليه حياته أن يأتيه فيقول فعلت كذا وكذا وكذا فكيف يغفر الله لك كل هذه الذنوب؟ , وكيف يغفر لك وأنت تأتي الذنب وتستغفر منه ثم تعود إليه ؟ فإذا صدقه يئس وتعطلت طاقاته وخاب وخسر, فعلى الانسان أن ينتبه لمثل هذه الوساوس .

أما فيما يتعلق بسؤالك  كيف نعيد الثقة بأنفسنا ؟ فإنه يجب على كل انسان أن ينشغل بعمل مفيد ولا يترك نفسه لوساوس الشيطان ولا لحديث السوء الذي لا يجلب للمرء إلا التوتر والقلق . وعليه أن يملأ وقته بما ينفعه , فإذا المرء لم يشغل نفسه بما ينفع شغلته بما يضر , وبشكل عملي يجب  على الانسان أن يتعلم العلم ويعمل به ويمارس هواية مفيدة , ويهتم بجسمه وصحته, ويمارس نوعا من الرياضة , ويجعل له وردا من القرآن والذكر -ولو بسيط جدا – بما يملأ قلبه طمأنينة وراحة.

اختاري صديقاتك بعناية ودقة وصاحبي منهن من تذكرك بالخير ولا تسمعين منها إلا الطيب من القول, واعلمي أن الفراغ آفة مدمرة فاحذريه , ومن زاد فراغه اضطرب , ومن اضطرب لا يحسن يفكر , ومن ساء فكره ساء فعله.

اعلمي أنما خلق الله الناس لغاية , وجعل في كل إنسان هبات وطاقات وعطايا , فابحثي عنها في ذاتك واجعليها لهذه الغاية المطايا , واعلمي أن الله خصك بنعمة المراجعة بنفس تلومك – وبعض الناس يلبسون الحق بالباطل وهم يعلمون – فاحمدي الله على هذه النعمة وزوجيها حسن الظن , فما تلبث إلا أن تأتي بعُرس اليقين في عفو رب العالمين .

وفقنا الله وإياكِ لكل خير

  بقلم أحمد المنسي – خاص لأوراق عربية 

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق