اثناء مشاهدتي لفيلم ينتمي لحقبة الأفلام ” الأبيض والأسود ” خلال عرضه علي التلفاز .. تأملت الوضع كثيرا وتفكرت فيما كانت تقصه جدتي من روايات تتعلق بالماضي و كيف كان الفرد يستمتع فى الماضي بكل ما يجده حوله وكيف كان يرضي ويقنع بالقليل ..
فتجد فى الصور القديمة حكايا كثيرة تكشف عن نفسها وتكشف عن عصر كان فيه الرقي والإحترام هم سيدا الموقف ..

فإذا نظرت عن كثب لذلك الماضي من خلال الأفلام القديمة أو المسرحيات أو المسلسلات القديمة ..
وتركز إنتباهك على أسلوب الحديث كيف كان راقيا .. فتجد الألقاب مثل ” سيد أفندي وأميرة هانم ومحمد بيه وعادل باشا وسي السيد وهكذا “

ولم يقف الإحترام عند الألقاب فحسب بل أيضا بطريقة الحوار ذاتها التى أجدها ممتعة حتي فى مواقف المشاجرة والعتاب ..

وكيف كان لكل شخص إحترامه وليس هناك إحتقار إجتماعي لأي شخص مهما قلت مكانته أو إحتقار لأي وظيفة
فالكل كان يعمل ويساهم فى بناء مجتمعه من جانبه .. وكان المجتمع يحترمه ويقدره ويقدر له مجهوده وكان الفقير يعيش وله حياة كريمة فلا يمد يده لأحد ليساعده على أمور المعيشة بل كان ما يحصل عليه يقضي حاجته ويستطيع أن يُدخل أولاده المدارس والجامعات
وكان الشاب يستطيع إعداد وتجهيز عش الزوجية بأقل التكاليف ؟! وكانت العنوسة تلك المصطلح الجديد بعيد كل البعد على أن تكون ظاهرة إجتماعية تحتاج لحل جذري وفوري ..

و المواصلات العامة أيضا تجدها معظمها تتسم بالرقي بداية من ما يدعي بـ ” الأتوبيس ” الذي كان ينقل الموظفين من عملهم أو الناس بوجه عام

و ” التاكسي ” تلك المواصلات التى مازالت حتي يومنا هذا ولكن مع دخول بعض التعديلات عليها و ” الحنطور ” الذي كان يستخدم فى المناطق المتوسطة والفقيرة أيضا والذي نجده منقرضا فى هذه الأيام ..

وتجد جلسات الصحبة الجميلة التى كانت تجمع بين أصدقاء من الطبقة الراقية وأصدقاء من الطبقة المتوسطة والفقيرة أيضا وكان إجتماعهم إما أن يكون بداخل المنزل او على المقاهي التى كانت تحفل بالأراء المتنوعة والنقاشات المثيرة حول أمور الحياة كافة ..
وداخل المنازل تجد جلسات النساء التى لا تخلو من السمر والمرح حيث تجتمع خلالها النساء ايضا ليقضين أوقاتا مميزة مع صديقاتهن لتظل أوصال المودة بينهم مهما طال الزمن ومهما بعدت المسافات فتلك اللقاءات تجعل المودة تعود من جديد وتظل روابط الصداقة تجمع ليس فقط بين الفتيات بل بين العائلات كبارا وصغارا .. رجالا ونساءا ..

وإذا نظرت إلى المنازل من الخارج تبعث عليك البهجة والسرور لرؤيتها .. فتجد المنازل الفخمة والبسيطة ومهما قل الحال لن تجد عششا تأوي الألاف من الأسر “كبارا وصغارا “وكيف كان الإهتمام بأطفال الشوارع ودور الأيتام التى كانت تأوي كل هؤلاءولا يتم قذفهم هكذا فى الشوارع ليخرج لنا ظواهر نحن فى غني عنها مثل البلطجة وغيرهآ ..

وبجوار تلك المنازل تنظر للهيئة العامة للشارع فتراه نظيفا غير مملوءا بالباعة الجائلين فالبيع والشراء كان بالسوق وكل من يريد أن يبتاع شيئا فليذهب إلى السوق وفي السوق تجد كل ما لذ وطاب من المشتريات التى تهم كل بيت مصري ..

بالطبع كان للماضي عيوبه التى لا نختلف حولها ولكن يظل الماضي يطل ببريقه ليذكرنا بأيام جميلة عاشها أجدادنا يتمني الكثيرون أن يعود بهم الزمان ليعيشون بتلك الظروف التى نجدها بسيطة وراقية فى الوقت ذاته ..

أين نحن من كل ذلك الرقي الأن ؟ أين ذهب كل ذلك ؟ أسئلة كثيرة تداخلت برأسي ..

فإذا ما قارنت الماضي بالحاضر تجد إختلافا جذريا وكليا بين كل ذلك الهدوء وعصر السرعة والصخب الذي نعيش فيه ..

فتجد معظم أشياء الماضي أندثرت بمرور الوقت وظهر محلها ما يساعد العصر الذي نحيا به … فالشكل العام لحياتنا أختلف تماما عن الماضي ولكن لما أبتعدنا كثيرا عن إحترام أحدنا الاخر .. فإذا رأيت مقهي اليوم يضم أراء عديدة قد يتحول الوضع إلي مذبحة دموية .. وإذا رأيت مشاجرة تجد كل طرف يسب الأخر ويضربه بكل ما اُوتي من قوة … وإذا رأيت شخصا يعمل بهنة أو حرفة ليست من ذوات المكانة العالية تجد الكثيرون يسخرون منه إلا من رحم ربي بالطبع مع أن هذا الشخص لم يخطأ ولم يرتكب ذنبا بل يعمل عملا شريفا افضل من البطالة أو السرقة أو البلطجة ؟!

لماذا ضاعت منا فى عصرنا الحديث تلك الجلسات التى تجعلنا دائما متقاربين نتناقش وكلا منا يحترم رأي الأخر .. فالإحترام عندما ضاع ضاعت معه أخلاقيات كثيرة كنا نحتفي بها في الماضي ويا ليتها تعود ويعود معها كل ما إفتقدناه من مميزات وخبايا عاشها الكثيرون ويتمناها الكثيرون أيضا ؟!

awraq editors

Related Posts

Comment ( 1 )

Leave a reply