“إذا فسدت البيئة فلا بد للإنسان أن يحتمي بعقله لينجو من الفساد “, رائعه من روائع المبدع أحمد ذكي التي ستظل عالقة في أذهاننا والتي حفظناها عن ظهر قلب ولكننا حجبنا القلب عنها فلا شعر بها ولا فطنها العقل , والتي لطالما كنت اسمعه يرددها فاتسائل كيف تفسد البيئة ولا يفسد الانسان , كيف يقاوم الإنسان الفقر الأخلاقي للبيئة التي نما فيها , كيف يولد القديس في دار البغاء , وكيف يولد الفاسد في رحاب الصالحين , كيف لا يكون الانسان انعكاس لبيئته  , كيف يشذ عن نواميس نشأته , كيف يحتمي الانسان بعقله من الفساد وهل يكفي أن يحمي الانسان نفسه فقط من الفساد , أم يجب عليه أن يحمي الآخرين منه أيضاً , أم أن واجبه هو أن يقتلع جذور الفساد لتصلح الأرض وترتدي حلتها الخضراء .

سيل من الأسئلة أجابت عليها  ثورات الربيع العربي بانتفاضهم ضد الفساد , فأعلنت الشعوب الحرب على الفساد وقررت تحويل خريف العروبة إلى ربيع مزهر , ولكن سرعان ما تراجعت الثورات ووقعت في بؤر الفساد التي حفرت على مدى السنوات الماضية في أنفسنا وعقولنا وأخلاقنا , وأصبحت الحقيقة الوحيدة المثبته  “نعم , نحن فاسدون ” حقيقة مثبتة ينكرها الجميع ولكنها ستظل ساطعة ومدوية ترف فوق رؤوسنا لتعلن عن نفسها فندفن رؤوسنا في التراب ونرفضها مرددين شعارات رنانة “الشعوب مكبوتة ولكن الحكومات هي الفاسدة” وكأننا لسنا جزء من الفساد وكأننا لسنا نحن الفاسدين وكأن أحمد ذكي لم يبدع مرة أخرى في وصف حالنا فقال ” كلنا فاسدون لا أستثنى أحدا حتى بالصمت العاجز قليل الحيلة”.

كلنا فاسدون وكلنا نعاني خلل في المباديء وكلنا نتقن فنون التبرير والتطبيل والتصفيق للوجوه المختلفة لنفس الوجه الواحد , كلنا كاذبون وملفقون ومدنسون للحقائق, كلنا نعبد مصالحنا وميولنا ولا نلتفت لمصالح الوطن ولا نبحث عن الحق ولا نرضي ضمائرنا فقط نرضي  أهوائنا , كلنا فاسدون ملطخون بدماء الأبرياء التي أصبحت أرواحهم أرخص ما في  للوطن , كلنا متخليين عن انسانيتنا ودافنين لأحلام الصالحين المحاربين للفساد القابع في أنفسنا , كلنا فاسدون نخشى من الوقوف أما مرآة الحقيقة الصادمة, مرآة الحقيقة التي تفضح اشتراكنا في الجريمة الكبرى جريمة  ” افساد الوطن ” .

كلنا مسئولون أمام الله وأمام الوطن عن ما وصل إليه الوطن من انحدار أخلاقي ومن انحدار علمي ومن انحدار ديني ومن انحدار انساني , كلنا مسئولون عن ما وصل إليه الوطن اقتصاديا وسياسيا وسياحيا وثقافيا وعلميا وأمنيا , كلنا شركاء في جريمة انتهاك حرمة الوطن وانتهاك أعراض أبنائه ودمائهم في الداخل والخارج , كلنا شركاء في مخططات التقسيم والفرقة والفتنة التي تمزق جسد الوطن , كلنا عنصرييون نشتهي الزوال لمن ليس منا , كلنا مقصرون في مواقعنا , كلنا لا نستحق الوطن .

ولكن أيضا كلنا مسئولون وقادرون على محاربة الفساد , نعم قادرون على محاربته إذا ما اعترفنا بفسادنا وحاربنا فساد أنفسنا , إذا ما اقتنعنا أن محاربة الفساد تبدأ من محاربة أهوائنا , إذا ما أيقنا ” ان الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” , إذا ما عرفنا أهمية العقل والقلب معا في محاربة الفساد واصلاح البيئة الفاسدة  القابعة داخل أنفسنا , إذا ما سلمنا بأن نجاح ثورتنا على الفساد مرهون بنجاح عقولنا على انتشال أنفسنا من أهوائها ومرهون بنجاح قلوبنا في احياء انسانيتنا الضائعة في ثنايا الفرقة , ستنجح ثورتنا وقتما نؤمن من داخلنا بأننا نريد حقا القضاء على الفساد ونؤمن بأننا قادرين حقا أن نحيا صالحون وليس كما اعتدنا فاسدون .

awraq editors

Related Posts

Comment ( 1 )

  1. صفيه حماد

    ما شاء عليكِ، سلمت يديكِ ،موضوع رائع وكلماتكِ منتقاة بحكمة،حقاً كلنا فاسدون ليس منذ الولادة ولكننا نفسد بعد فترة ونصبح كل ما ذكرتِ، أتمنى أن نستيقظ أن نقتلع الفساد من أعماقنا.

Leave a reply