منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

“حتى إشعار آخر” .. قصة قصيرة كتبها حامد بدر لأوراق عربية

 

قضى ليلته كالعادة وحيدًا، لا يؤنس هذه الوحة سوى فنجال مُزرْكَشٌ بخطوط أشبه بطلاسم العهود السُليمانية العتيقة، قد كسا فاهُ لبٍّ سميك من القهوة التي كسرت مرارتها حلاوة المذاق، لتتصارع بصندوق فكرِه مع مرارة الأيام الخوالي والذكريات القديمة، التي يقضيها غير آبه بما هو آت .. حتى المواضي لم يعد يذكرها، فما فاته من أحلام وطموحات قد رسمها في الماضي ضاعت كما ضاع منه هدفه الذي كان يسعى وراءه، فارتطم في الأرض مكسورًا، غير مأسوفٍ عليه ..

في ليل الشتاء البارد، في شقة قديمة بطابق لم يبتعد عن الأرض سوى 10 أمتار، بحي سكني قديم، كسى عليه الزمان ملامح النسيان كيما الغبرة تكسو وجوه الظالمين، أطفأ الأضواء، واستدعى الظلام الذي ابتلع أجزاء من الجدران البالية، فتوارت رسمات الشقوق التي فاق عمرها عقوده الأربع، واكتفى ببقعة دائرية صفراء صنعها له مصباح قديم مسلَّطٌ في الأعلى، وأمسك بصورتها ذات المقاس الصغير، واستل قلمه، ونظر إلى الورقة ثم الفنجال، ولكن سُرعان ما تحول عنها حتى لا يخون الكلمات التي دارت برأسه، فتهرب سريعًا، فعادة الكلمات أن تهرب من رأس أصحابها إذا لم يحكُم فعل ترجمتها على الورق القبضة فيخرجها من ظلاميتها لترى النور، فتولد في عالم له الحق أن يقبلها أو أن يوئدها في مهدها.

كتب هذا المنسي من العالم يقول:

“لماذا أرى في عينيكي كل يوم مشهدًا مختلفًا عن سلفه، يواري وراءه الغموض؟
هل لأنكِ قطعة من ماضي، أم مستقبل آت غير مفهوم؟ أم أنكِ حلمٌ بعيد المنال حال القدر بيني وتحقيقه؟
حقًا تخونني الأوصاف فأسرح وأنا أكتب المقال ..
آنستي لا أعلم هل ما بداخلي هو الوصف الطبيعي لكلمة الانجذاب؟ أم أنه عليَّ أن استسلم لفكرة العزلة والوحدة وأنه لا عوض بعد الفقد، ولا لقاء بعد الفراق، ولا طُهرً بعد الدنس، ولا أمل بعد اليأس..؟
حقًا كل التفاصيل مبهمة ..
حقًا كل المقاييس الزمنية لم تعد تنسيني، لا الأيام، ولا الأسابيع، ولا الشهور ولا السنون، كلها صارت كئيبة، كلها صارت رتيبة كرتابة أحداث العالم، كرتابة الأخبار التي لم أعد أنتبه إليها في صبيحة كل يوم أو مساءه، كلها صارت بوجوه ملثمة، تواري الملامح خلفها، إلا عينان تنذرا الظرات منها بشؤم قادم أو هلاك لا محالة.

أرتشف – آنستي – كل ليلة قدحًا من القهوة، أمام صورتك أخلع عن عقلي كل الانشغالات، أدخل في نوبة من الصراع، بين التكذيب والتصديق، بين الرفض والستليم، بين التناسي والتعوُّد، فأضيع كما تضيع الاشياء من أصحابها، كما تضيع النفائث من مقتنيها، كما يُفقَدُ الأطفال في الشوارع من أهليهم، فلا الضيعى يعودون، ولا الأهلون بلقائهم يفرحون، ولا تنفعنا الشوارع الوسيعة، بفراغ يحدث فيه اللقاء من أثر الزخم ..

هيه اللقاء .. لماذا كان اللقاءُ الأخيرُ سريعًا .. لماذا لم تبْقَيْ بجانبي خمس دقائق ريثما أعود، وأحظى بنظرة أخيرة قبل الوداع؟”
دقت الثانية بعد منتصف الليل ليستفيق معها على رنين هاتف النقال قديم كلاسيكي الصنع، فيرد:
– ألو
= صوت نسائي رقيق: هل خلُدت إلى النوم؟
– لا، ليس بعد؟
= ولماذا؟
– كنت أكتب كما المعتاد؟
= بضحكات رقيقة: أما زلتَ تكتب لي رسائلك التي لم أقرأها حتى الآن؟
– يتنهد: دعينا من هذا، ليس منطقيًا أن تقرأيها.
= بصوت غلبه الدهاء: إذا فلندعها .. حتى إشعار آخر.
– مبتسمًا وبصوت حنون: تصبحين على خير.
ينغلق الهاتف ليمسك صاحبنا بالورقة ويفتح درج مكتبه ويلقيها، لتنضم إلى مثيلاتها من رسائل سريَّة أخفاها عن العالم، والتي تراكمت تحت ورقة متآكلة الأطراف، من النوع الأصفر الرديء، مُعنوَنةٌ بخط منمَّق، وبأسلوب روتيني أسود بالغ القتامة، “مصرع فتاة في العشرين من عمرها”، ليطوي حقيقةً مُرّة رفض عقله التسليم بوقوعها حتى الآن ..
أو حتى إشعار آخر،،

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق