حاتم جيرة الله يكتب لأوراق عربية …. الوحش

 

الكاتب حاتم جيرة الله - خاص لأوراق عربية

       الكاتب حاتم جيرة الله – خاص لأوراق عربية

 

فى عالمنا لا مكان للطيبين ،القلوب الطيبة تعانى فى هذا الزمن هى وحدها التى تتحمل و تقاسي طعنات الاخرين فى صمت ، تتعذب دون ان تملك حق الرد ليس ضعفا بقدر ما هو رفض لان يتلوث الثوب الابيض باقل القليل من الاسود و النتيجة معروفة مسبقا فالاسود فى القلب ينتشر و يتعاظم حتى يسود و قليل من الاسود مكروه خاصة ان طال القلب

فنجان قهوة، دورية شرطة، تشابه ملامح ، كلها عوامل لا يمكن ابدا أن تغير مسار حياة إنسان.
لكن كل ما سبق نجح و بقوة فى تعديل جذرى على حياة بطل هذا الموقف ،حول إنسان طيب جدًا إلى العكس. ،إلى قمة التضاد في أعين الناس….
معادلة صعبة.، غير مفهومة أقرب لنظريات الرياضيات وقواعدها المتشابكةأ …اليس كذلك؟!باختصار كانت قصة (زكي الطيب) أو(الوحش) كما يلقبه الناس…
أويحلو لهم أن يلقبوه….
محصل مسكين فى هيئة النقل يدعى(زكي الطيب) كان نصف اسمه الثاني متطابقًا جدًا مع حقيقته، مسالم لأقصى حد، خائف، يطبق المثل القائل (ابعد عن الشر وغني له) بحذافيره، ضاق زميله السائق بخنوعه وجبنه وطيبته اللامتناهية، حتى زوجته (علية) ضاقت بضعفه وخوفه من الثري (شطا) وذراعه الأيمن (أبو شنب) الذي اهتزت يده أمامه وهو يشعل له سيجارة، مصدر استهجان وسخرية للجميع، لا يعرف كيف يرضي الناس ؟! و لا يعرف ان يحيا حياة هادئة بينهم.
وفي ليلة وأثناء جلوسه على مقهى يحتسي فنجانًا من القهوة ويتابع التليفزيون، مرت دورية شرطة وأثناء تحقق الضابط من شخصيته يشتبه أمين شرطة في أن(زكي الطيب) هو الوحش، المجرم الخطير، نعم الملامح متطابقة إلى حد مدهش، يتم القبض عليه وتعلن وسائل الإعلام أن الشرطة ألقت القبض على الوحش، اعتقدوا أنهم أسدلوا الستار عن شخصيته الغامضة، وسط دموعه ودموع زوجته وذهول كل من يعرفه تبدو الحقيقة تائهة، الوحش أصبح مادة دسمة للصحافة والتليفزيون، لا حديث إلا عنه، اعتقده الجميع يخدعهم بشخصيته الطيبة الساذجة ليرسم غطاء حول شخصيته الحقيقية و ميوله الاجرامية ، وذهب الطب النفسي إلى أنه مصابًا بانفصام، يتناول الجميع أحداثًا أسطورية تخصه من وحي خيالهم، تظهره في صورة مجرم عتيد الإجرام، كان (زكي) حائرًا لا يعلم ماذا يفعل؟!
تسابق أخطر السجناء في تقديم فروض الولاء والطاعة لـ(الوحش الشبيه) يتملكهم الرعب حين يقابلوه، والذهول يتملكه، لأول مرة يحترمه الناس، لأول مرة يشعر أنه انسان له كرامة، لأول مرة يجد الناس الذي كان حائرًا في الحياة بينهم يرتجفون لمجرد رؤياه، بل لمجرد سماع اسمه ….
وسط الحيرة والذهول التقطه عم(سيد)_ جاره القديم وزميله في السجن_ وقال له المعادلة بسيطة و مريحة للغاية ،هم يريدون(الوحش) المرعب، الشرس، رمز القوة، امنحهم إياه ، هم من اختاروا، هم يريدون أن يروك زعيمًا عليهم، ارتدي عباءة الوحش لتثير رعبهم أكثر.،لتضمن راحتك بينهم
تخدم الظروف(زكي) وتذهب زوجته لمحامٍ كى يتولى الدفاع عنه، فيقبل القضية وبدون أتعاب طمعًا في الشهرة كونها قضية رأي عام، ينال حكم البراءة وسط الرعب الذي ضرب قلوب كل من حوله_خاصة(شطا) و(أبوشنب) _فيتم استقباله في الشارع استقبال الفاتحين ويعيده (شطا) إلى مسكنه بعد تجهيزه على أفضل ما يكون…
هالة الرعب تحيط به فيظل مصدرًا للخوف أينما حل، يلبي (شطا) كل أحلام(زكي) مهما كانت، تنهال عليه الأموال من كل جانب، حتى عتاة الاجرام و البلطجة يستعينون به للفصل بينهم في خلافاتهم، بدأ(زكي) يتألم نفسيًا، الكل زين له ثوب (الوحش) عم(سيد) ومن حوله حتى زوجته كانت تتفنن في إقناعه بأن كل تلك الأموال الحرام من حقه بل وتقنعه بانها حلال أيضًا، لم يكن ما يحدث من طبيعته أوفطرته الطيبة، لم تكن عيون أعدائه والمذعورين من قوته الوهمية فقط هم من يراقبونه، كانت هناك عيون أخرى تتابعه، عيون قاسية يتطاير منها الشرر، عيون (الوحش) الحقيقي.
تركه (الوحش) يفعل ما يحلو له، حتى اختطفه والتقى به في مقره، حاول(زكي) أن يثير رعبهم كالآخرين ولم يفلح بالطبع، سقط منهارًا ولم يعرف(الوحش) ماذا يفعل معه؟!.. أمر رجاله بإعادة (زكي) من حيث أتوا به، عاد مصابًا بصدمة عصبية، وتحدث مفاجأة، ألقت الشرطة القبض على أحد رجال (الوحش) الذي كان يحتفظ بصورة تجمعهما معا ، كانت أول طرف خيط للقبض على(الوحش) الحقيقي، أعلنت الشرطة مكافأة ضخمة لمن يرشد عنه فتنكشف أكذوبة(زكي) فيأتي(شطا) بـ(أبوشنب) وأعوانه للفتك بـ(زكي) وطرده من المسكن ورغبة في إذلاله يحاول أحد الرجال اغتصاب زوجته أمامه، كان(زكي) مرتجفًا مذعورًا، لكن جن جنونه مع صرخات زوجته و ابنه ، فجأة يتحول إلى بركان ويحطم كل رجال(شطا) بما فيهم(أبو شنب) ويقتل(شطا) نفسه ويهرب،يهرب و قد صار مجرما شرسا لتعلن الشرطة مكافأة لمن يقبض او يدلى بمعلومات عن الوحش الجديد الذى يبحث بدوره عن الوحش الأصلي، يجده ويقرر أن يقتله، الوحش لا يثبت جدراته إلا إذا قتل وحشًا آخر، تفاجأ الوحش بـ(زكي) يعود إليه وحشًا وهو من راهن نفسه على جنونه بعد لقائهم الأول ، أراد(زكي) أن يقتل أخر وجود لشخصيته القديمة في شخص(الوحش).
قتل(زكي) الوحش ويبدو أن الحياة كانت ستصبح صعبة، غير محتملة بعد أن أصبح لدينا زوج من الوحوش لن يصلح وجودهما معا فى عالم واحد ، انتهى الموقف وزكي ينعي نفسه القديمة التي ذهبت ولن تعود قائلًا:(البقاء لله… يا زكي يا طيب).
(أقوى الرجال) فيلم من بطولة نور الشريف والراحل خليل مرسي… كلاهما أدى دور الوحش، كلاهما صنعه من حوله، كلاهما دفعه المجتمع ليكون أقوى الرجال، كلاهما استمد قوة مدهشة من ضعف وخنوع ورعب من حوله، لكن أحدهما وهو(زكي) جاهد بكل السبل أن يقتل خوف الناس منه، أن يقنعهم ببرائته، أنه مظلوم وكل ما في الأمر تشابه ملامح، صرخ فيهم مرارا ليقنعهم ببرائته بلا فائدة ، صرخاته ضاعت بلا مجيب ، مع كل الضغوط المحيطة به استسلم، مع كل من زين له رداء(الوحش) ضعف، صدفة، مجرد تشابه مع لحظة ضعف واحدة كان كفيلًا بأن يصنع الوحش الجديد، عنصرية المجتمع المستترة والاستهزاء والتقليل من شخصه وقت ضعفه مع مبالغتهم في الاحتفاء به وهو مجرم مع صدمته العصبية وغضبه كلها عوامل صنعت وحشًا أكثر شراسة من الحقيقي للأسف….
ربما كان العاملون يخبرونا ان مغزى الفيلم هو (كيف تصنع وحش فى اربع خطوات ؟!)
فى عالمنا لا مكان للطيبين ،القلوب الطيبة تعانى فى هذا الزمن هى وحدها التى تتحمل و تقاسي طعنات الاخرين فى صمت ، تتعذب دون ان تملك حق الرد ليس ضعفا بقدر ما هو رفض لان يتلوث الثوب الابيض باقل القليل من الاسود و النتيجة معروفة مسبقا فالاسود فى القلب ينتشر و يتعاظم حتى يسود و قليل من الاسود مكروه خاصة ان طال القلب
قليلًا من الإنسانية مع من حولنا باختلاف صورهم وأشكالهم وشخصياتهم تجنب العالم الكثيرمن الشرور، والكثير من الوحوش…

 

 

منتدي أوراق عـربية

منتدي أدبي يرعي المواهب العربية ويتيح للكُتاب والموهوبين في جميع المجالات الإطلال علي جمهورهم أسبوعيا من خلال مباردة أوراق عربية لإكتشاف المواهب الأدبيه بالوطن العربي ويمكنكم الإشتراك من خلال مراسلتنا علي awraqstaff@yahoo.com أو صفحتنا علي الفيس بوك

Related Posts

Leave a reply