حاتم جيرة الله السعيد يكتب لأوراق عربية …. الأسود يليق بك

   خلق الله الأرض، وجعل للكون أبعاد معروفة، خلق الأرض في ستة أيام واستوى على العرش في رسالة ربانية من كلمة واحدة آمرة (اصبر)، ليس لك إلا الصبر، لكن في دنيا الحب لا أبعاد واضحة، لا أركان ثابتة، القلب بين يدي الرحمن يُقلبه كيف يشاء، تحب هذا اليوم وتكرهه غدًا، تنتظره بفارغ الصبر وبعد طول انتظار تمل منه، وعندما يأتي تزهده، عندما تعرف الحب تصبح شخصًا أخر، في داخلك إنسان غريب عنك، لم تعرفه قط، كتب عليك التسرع، التهور، الجنون، الحب، الكره، الولع، الشغف، تريد كل شيء في نفس الوقت و تريد النقيض أيضًا، أحيانًا لا تعرف ماذا تريد؟!
   عدة أقلام كتبت عن الحب وامتلأت الأوراق منذ فجر التاريخ، لكن في وقت ما تجد شيئًا يطرق أبواب عقلك و قلبك، يصاحبك و يقتحمك ويرفض الهروب منك، تمس القلوب النهايات المؤلمة أو التي تظن أنها مؤلمة فقط لأنك لم تتمنى أن تنتهي قصة حب نهاية غير عادلة.
لم أعرف هذا الرجل و لم أعرف (هالة الوافي) بطلة رواية (الأسود يليق بك) ولكن كاتبتها (أحلام مستغانمي) أجبرتني أن اقرأها بعناية، غالبًا حين اقرأ رواية استثنائية تتخطى علاقتي بالرواية العلاقة بين الكاتب والقارئ لتصبح تعايش مع الأحداث، كنت على صواب حينما يختلط على اسم أستاذة أحلام بالمطربة أنغام، كلاهما تعزف على طريقتها، هناك من تشدو بالكلمات على أنغام الموسيقي ومن تشدو بكلمات على ورق الطباعة.
(سيف العشق كسيف الساموراي، يتقاسم السياف والقتيل الضربة القاتلة).
( يأكل الحب عشاقه، يلتهمهم وهم جالسون إلى مائدته العامرة، فما أولم لهم إلا ليفترسهم).
(هكذا هو مع كل امرأة أحبها) !!!.
كلمات قرأتها ببطء في أول صفحات الرواية، مرت عليها عيني عدة مرات حتى قابلت السطر السابق.
كل امرأة أحبها ؟!.
شككت عند قراءة هذا السطر أنه أحب (هالة) حقًا، شككت في نوعية الحب، حب للعشق ؟!.
لا أعتقد..
أعتقده حب امتلاك، حب الشيء حتى القبض عليه واستنزافه لأقصى حد، ثم تركه بعد الوصول للحد الأقصى للمتعة بحثًا عن آخر يغرى أكثر بالامتلاك.
لم أفهم حبه لها، للحظة ظننته أقسم أن ينتقم من كل محبوبة أحرقت قلب عاشقها، يثأر لكل رجل اكتوى قلبه من حب امرأة، يثأر لخطيبها الذي تركته بحاجة أنه عاجز على العزف على أوتارها، تخيلته شمشون يهدم المعبد على رأسه ورأس أعدائه لكني لم أجد (دليلة) هنا، وجدت (هالة) التي لم تكن أبدًا (دليلة).
   لم أعرف رغم قراءتي لتلك الرواية أكثر من مرة أأحَبها حقًا ؟!، أم انه كعادته في النزالات العصية يريد إثبات جدارته، كان صارمًا في قراراته يعرف كيف يتخذ موقفًا في الحياة ضد أي شيء مهما احتاجه، ضد قلبه لو احتكم الأمر مستمدًا قوته من طريق بناء ثروته ومجده في عالم المال و الأعمال.
   الرجل محب غريب الأطوار، بدأ الخطوة الأولى في طريق حبه بباقات زهور (التوليب) تطاردها أينما ذهبت لدرجة أنى اعتقدت لو ذهبت لإحياء حفلة في جزر القمر لسبقتها باقاته، شغلت عقلها وروده المنتقاة بعناية، بدأ في عيد الحب مداعبة براءة تلك الفتاة التي ظلت داخل الرداء الأسود منذ اغتال المتطرفين والدها، تمنته في أحلامها وهي التي تغني الأغاني العاطفية انتظارًا للحب حتى يأتي، أتت المكالمة الأولى وقتما اختار، حتى اللقاء الذي كان اختبارًا ظالمًا لأقصى حد فوق السحاب داخل طائرة، ثم عاود اللقاء في القاهرة بعد أن اجبرها أن تغنى له وحده، كان اللقاء الأول في القاهرة مع هذا الرجل الذي يكتب الشعر لكن لا يعمل شاعرًا، يجعل من كل لحظة يعيشها قصيدة، نصًا شعريًا عاشق للسعادة ومحب للحياة، يرفع محبوبته لأعلى السماء لتلامس السحاب ثم يتركها بعد أن وصلت لأقصى نقاط تماس للسعادة لتسقط، لتصبح على وشك الارتطام بأشواك الخيبة فيعاود التقاطها، لم يكن سوى أسلوب داهية، ثعلب يحشو غليونه ببطء تمهيدًا لضربة استباقية، يبدد الحزن بلقاءات رائعة أقرب للقاءات الأساطير ثم يبتعد، ينقطع بلا سبب، يبتعد ثم يعود وقتما يشاء دون أن يترك اختيارًا لها لترفض لقائه، يطهو لها بنفسه بحرفية طباخ ماهر، لم تفهم معنى الحب حقًا بالنسبة إليه أهو احتياج أم اجتياح؟! تبعثرت الحروف وتاه المعنى حتى والأشجار شاهدة على حبهم، صنع البهجة في حياتها حتى وجهها بدا مضيئًا من فرط السعادة، وكم أحرجها وأهانها وعذبها.
   لم يكفيه معاناة ذكرياتها الحزينة في مروانة بالجزائر قبل نزوحها إلى حلب، لم يكفيه فاجعة الفقدان التي ضربت كل رجالها جدها أحمد وأبيها وحتى أخيها الذي دخل المعتقل ليخرج منه فيلقي مصرعه على أيدي الإرهابيين بعد أن قتلوا والدها.
   أحبته حقًا، حبها كان أكبر منه وأقوى، حبها بلغة الثروات يضعها في مرتبة الأكثر منه ثراء، لا يكفى المال كي تكون ثريًا، هو لم يتردد في إسعادها بلغة الإبهار معتمدًا على أن لا أحد بعده سيصل بقلب من يحب إلى حيث ارتقى، في حين هي لا تُقارن بوضعه المادي من أي اتجاه و مع ذلك لم تبخل بأموالها القليلة لإهدائه هدايا تسعده بها ما دامت معه.
   يا له من حب مدمر يمنح الخيبة بعد الحب و الدموع بعد السعادة، يسقى الوردة في مزهريتها من روحه و دمه ثم يتركها لتذبل قبل أن يمنحها قبلة الحياة من جديد.
   لكن إذا وصل الحب إلى محطة الشك اقترب من محطة النهاية، و في ليلة شرب الرجل حتى ثمل، سكر الرجل و باح لها بكل أسراره التي لم يفشها مطلقًا، أحنقه أن اقتحمه أحد حتى لو كانت هي، كان في غموضه سحرًا خاصًا، سرًا من أسرار جاذبيته، ضاق لسقوط غموضه الذي احتفظ به كثيرًا، ليملأه انفعال انتظر حتى كلمة واحدة وانفجر، انفجار حد الإهانة، غادرته صامتة باكية، غادرته إلى الأبد، غادرته لا تعرف أتبكى على ساعة الرحيل ؟! أم تبكى على الإهانة ؟! أم تبكى على أحلامها المستقبلية التي تمنتها و لن تراها معه؟! حرف واحد أنهى قصتها معه عند نقطة البداية، حرف واحد أنهى قصتها معه، الحب الكبير كان يحتاج الي كلمة واحدة ليستمر علي قيد الحياة.
   كلمة واحدة، حرف واحد يفرق الحياة من الموت، وحرف واحد أنهى الرواية، بقليل من التروي كان سيستمر الحب، كنت أود استمراره لأجلها لا من أجله هو، هو كان سيرحل لا محالة !..
   لكن هي بدا كما لو أنها أحبته أكثر من قبل في كل لحظة..
هو لم يعترف ولن يعترف أنه خسرها، لكن في قرارة نفسه عرف أنه خسر الكثير، خسر سخاءها العاطفي، من قال أن سخاء المرأة في مشاعرها مع من تحب غباء ؟!
   كثير من الرجال ينتابه الشك من سخاء حواء، مثلما ينتاب المرأة الشك إذا كان رجلها كريمًا معها، لا أفهم لماذا ؟!.
   جاءتها فرصة المشاركة في حفل عالمي يخصص دخله لدعم اللاجئين العراقيين في ميونخ، قررت أن تعطيه هي درسًا في الاستغناء، تناست شهوة الانتقام حتى لا تسمح له بأن يبقيها في شقاء معه.
   ظن الرجل أنه عاشق للبهجة و ظنها صديقة للحزن و لكن دارت الدنيا دورتها و أتى دوره لينعى نفسه بباقة التوليب.
   ذات يوم غنت له وحده في القاهرة، اليوم تغنى للعالم كله ما عداه، حتى الأسود خلعته، فارقت ثوب الحداد و ارتدت ثوبًا يميل للزرقة، اختارته أمها ليبعد عنها العين ووافقت لتبتعد عن الأسود، لتستقبل مرحلة جديدة في حياتها بدون الأسود، لا تريد أن تتذكر أول بطاقة مع باقة توليب منه حين كتب عليها (الأسود يليق بك) ولا أحد عباراته الأخيرة لها (سأظل أتعرف إليك مادام الأسود لونك، أقصد لوننا).
كان هذا دافعًا كي تخلع الأسود اللون الذي عرفته بعد الموت و ذرفت داخله الدموع تناسته وظلت تغني بعد أن أحبت نفسها حقًا بعد أن اكتشفت أن الأسود لم يعد يليق بها!.
الكاتب حاتم جيرة الله - أوراق عربية

الكاتب حاتم جيرة الله – أوراق عربية

منتدي أوراق عـربية

منتدي أدبي يرعي المواهب العربية ويتيح للكُتاب والموهوبين في جميع المجالات الإطلال علي جمهورهم أسبوعيا من خلال مباردة أوراق عربية لإكتشاف المواهب الأدبيه بالوطن العربي ويمكنكم الإشتراك من خلال مراسلتنا علي awraqstaff@yahoo.com أو صفحتنا علي الفيس بوك

Related Posts

Leave a reply