روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جـابـر القصـاص يكتب لأوراق عربية …. سراديب – قصة مُسلسلة / الجزء الاول

 

(الحلقة الأولى)

سيوف.. نسور.. نجوم.. أشرطة..

منذ أن وطئت قدماي هذا المكان المرعب، وأجلسوني في هذه الطرقة شبه الواسعة، وأنا محاط بالسيوف والنسور والنجوم والأشرطة، لا تمض عشر ثوانٍ دون أن تمر أمامي نجوم ونسور وسيوف وأشرطة، وكل من يمر لا بد أن يرسل إليّ نظرة ما، تختلف من شخص لآخر، بعضها خاوٍ من أي تعبير، وبعضها مرتاب، وبعض حانق، وبعضها مبغض، وبعضها غير مكترث!

قلبي يزداد انقباضًا مع الوقت، أنا محامٍ، ومع ذلك لم أعتد ارتياد هذه الأماكن أبدًا، بل عادة أفر منها ومن مرتاديها.. (جمال) كان يوفر عليّ الاحتكاك بالشرطة، إذا احتجت لأي شيء من أقسام الشرطة كنت ألجأ إليه، وكان يوفر لي ما أحتاجه وبدون مقابل، فهو صديق الطفولة والصبا والشباب، وسنظل صديقين حتى يغادر أحدنا إلى العالم الآخر.. لكن الآن (جمال) ليس معي، ولن يكون معي بعد اليوم، هو في حال أسوأ من حالي، لكني بحاجة ماسة إليه الآن، كم مضى عليّ من الوقت وأنا قابع هنا أنتظر؟

أنا أمقت الانتظار بشدة، رغم أن مهنتي كلها قائمة على الانتظار، انتظار الزبائن، انتظار الجلسات، انتظار النطق بالأحكام، انتظار إعلانات القضايا، انتظار الأتعاب، انتظار.. انتظار.. انتظار.. ومع ذلك أمقت الانتظار بشدة، وها أنا أنتظر منذ أكثر من ساعة، ولا أستطيع عمل شيء، لا أستطيع حتى الرحيل، بعد أن جئت بقدميّ إلى هنا..

نسور.. سيوف.. نجوم.. أشرطة.. نظرات خاوية، نظرات مرتابة، نظرات حانقة، نظرات مبغضة، نظرات غير مكترثة! متى ينتهي كل هذا؟

أتحسس علب السجائر بجيبي، أنا لا أدخن، وكذلك هو، حسب معرفتي الطويلة به، ومع ذلك جلبتها إليه، فقد اتضح أنه شخص آخر غير الذي كنا نعرفه، وربما كان هذا الشخص الآخر – الذي لم نكن نعرفه – يدخن! من يدري؟!

نفسي تحدثني أن أخرج سيجارة من إحدى العلب وأشعلها لأسلي نفسي في هذا الانتظار المقبض، لقد توقفت عن التدخين منذ سبعة أعوام تقريبًا، فهل أعود إليه الآن؟ يجب أن أطرد الفكرة عن رأسي قبل أن أضعف، وأضيع جهد سبعة أعوام هباء..

إلى متى سأنتظر هنا؟!

قرقعة الأحذية على البلاط القديم مزعجة، بل مرعبة، والقرقعة لا تتوقف، لأنهم لا يتوقفون عن الحركة، كل شيء في هذا المكان المرعب يتحرك حركة دائبة، أنا الوحيد القابع في مكاني بسكون لا أتحرك، لا أجرؤ حتى على التململ، أنا محامٍ يجب أن أتماسك.. لكن حركتهم الدائبة أمامي تثير قلقلي بشدة، فضلًا عن نظراتي التي يلقونها عليّ جيئة وذهابًا، نظرات خاوية، نظرات مرتابة، نظرات حانقة، نظرات مبغضة، نظرات غير مكترثة! نجوم.. سيوف.. نسور.. أشرطة.. متى ينتهي كل هذا؟!

– “أستاذ (ربيع) المحامي؟”

– “نعم..”

– “تعالَ معي..”

أخيرًا جاء الفرج.. الجندي يشير إليّ كي أتبعه، لم أحاول استنباط نظرته، أو نبرة صوته، المهم أن انتظاري قد انتهى، وسأمضي إلى ما جئت من أجله، أسير خلف الجندي بنظرات متعثرة مرتبكة، يجب أن أتماسك.. الأمر لن يطول بإذن الله، فقط أؤدي واجب الصداقة وأذهب من هنا ولا أعود، إن كان ثمة لقاءات أخرى فلتكن بالمحكمة، على الأقل أنا أستريح للمحاكم أكثر من مديريات الأمن وأقسام الشرطة!

فجأة التفت الجندي إليّ، بعد أن أبطأ حركته ليكون بجواري لا أمامي، فزعت من قبل حتى أن أطالع تلك النظرات في عينيه، قال لي بصوت جاف:-

– “هل هو صديقك؟”

سؤال مرعب، لا أستطيع الإجابة عليه بالإيجاب، وكذلك ضميري لا يسمح لي بالنفي..

– “جيران.. نعيش بنفس المنطقة..”

جيد أني اهتديت لهذه الإجابة، رأيته يهز رأسه بغير معنى، وهو يواصل المسير، لكنه عاد يقول:-

– “كيف فعل كل هذا؟”

يا لك من أبله! وهل تظن أني أعرف الجواب؟ لا أحد في العالم يعرف، أنا صدمت وتفاجأت أكثر من أي شخص آخر، ورغم الأدلة القاطعة التي تدينه ما زلت أشك في الأمر، ولا أصدق أنه هو من فعل كل هذا..

– “الله أعلم..”

هذه الإجابة الوحيدة التي لديّ بالفعل.. لحسن الحظ أنه توقف عن طرح الأسئلة، كما توقف أيضًا أمام باب تلك الحجرة، والتفت إليّ مرة أخرى قائلَا:-

– “انتظر هنا.. سنحضره إليك بعد قليل!”

ابتلعت ريقي بصعوبة، بينما هو فتح لي الباب وأشار لي بالدخول، دخلت بخطوات متثاقلة، ثمة مكتب ومقعد خلف المكتب، ومقعدان أمام المكتب، ومقعدان آخران في زاوية من الحجرة، انتبهت لإغلاق الباب خلفي وأنا بالداخل، الحجرة خاوية سوى مني أنا، يفترض أن أجلس وأنتظر، لكني ضقت بالجلوس والانتظار، اخترت الوقوف بلا معنى..

مرة أخرى أتحسس علب السجائر بجيبي، أعتقد أني بحاجة ماسة للتدخين الآن!

***

يتبع  …..

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق