روايات مُسلسلةمنتدي أوراق عربية

جـابـر القصـاص يكتب لأوراق عربية …. سراديب – قصة مُسلسلة / ج 3

(الحلقة الثالثة)
وجهه ازداد نحولاً وشحوبًا!
هذا مخيف! فقط ينقصه نابان بارزان ليكون أحد مصاصي الدماء الذين قرأت قصصهم، وشاهدت أفلامًا عنهم!
آخر مرة رأيتُ فيها (محمود) كانت منذ أربعة أشهر تقريبًا، حين جئت إليه ليغير لي نسخة الويندوز على اللاب توب، والآن أجيء إليه لنفس السبب، لكني بمجرد أن نظرت في وجهه راودني ظن كاليقين أنه لم يغادر البيت، ولم ير الشمس، منذ لقائنا الأخير حتى اليوم، وربما لم يخرج حتى من قبل لقائنا الأخير بفترة..
رحّب بي وهو يغالب النعاس، بدا لي أنه ما زال نائمًا حتى بعد أن فتح لي الباب ودعاني للدخول، كان يتكلم كالنائم الذي يهلوس، قلت له:-
– “النسخة أصبحت ثقيلة جدًا، والتحديثات الجديدة لا تتوقف، أعتقد أن هذه التحديثات هي سبب الثقل..”
لا أعرف إن كان سمعني أم لا، لكنه توجه متثاقلًا إلى غرفته المظلمة، وأنا أتبعه، وكما توقعت كانت الغرفة في غاية القذارة، وتفوح منها رائحة عطنة، لا أستبعد أن يكون ثمة فأرًا أو طائرًا ميتًا تحت الفراش، (محمود) يعيش بهذا البيت الضيق رفقة جدته العجوز، الجدة ما زال لديها بقايا صحة وعقل يجعلانها تتدبر حاجاتها الضرورية بنفسها، ولها بنات متزوجات يأتين لزيارتها من وقت لآخر لمساعدتها فيما لا تقدر عليه من احتياجات، وهن يعتمدن على وجود حفيدها الشاب معها، اعتقادًا منهم أنها لو تعبت فجأة، أو حتى ماتت، سيكون (محمود) بجوارها ويتدخل لعمل اللازم، لكن الحفيد الشاب لا يغادر غرفته الشبيهة بقبو مظلم ألبتة، لدرجة أني أتساءل: هل يأكل ويشرب مثلنا؟ هل يستحم؟ هل يوجد سبب يدفعه لمغادرة الغرفة المظلمة سوى الحمام؟ هل يغادر البيت لأي سبب؟
عرفت أن (محمود) لا يسمح حتى لخالاته بدخول غرفته إطلاقًا، ولو بغرض التنظيف، بدعوى عدم العبث بأجهزته، التي لا تزيد على كمبيوتر قديم مفكك الأجزاء كف عن استعماله، ولاب توب يفترض أنه حديث، لكنه أهمل تنظيفه، وفي الغالب يستعمله لساعات طوال تفوق قدرته على التحمل، حتى صار أقرب إلى قطعة خردة.
حتى عام مضى كان (محمود) شابًا مثلنا، صحيح أنه تربى يتيم الأبوين بعد أن انقلبت السيارة بوالده ووالدته وشقيقته الكبرى، ولم يخرج أحد منهم حيًا منها، لكنه كان صغيرًا في الرابعة من عمره، والإنسان في هذه السن لا يشعر بالفواجع، خاصة أن جده وجدته – لوالدته – كانا حيين وقتها، ومنحاه من الحنان أكثر مما كان يحصل عليه من الأب والأم اللذين فقدهما، إلى أن رحل الجد بعد سنوات، وأعتقد أن (محمود) حزن عليه لعدة أيام، ثم نسيه كما ننسى جميعًا من يموتون من أقاربنا مهما كان حبنا إياهم..
حتى عام مضى كان (محمود) مثلنا، يدخل ويخرج، يمزح ويثرثر، ويكتئب ويصمت، ثم أخذ يتحلل من رفقة الناس تدريجيًا حتى اختفى تمامًا، أنا الذي أعد أقرب صديق له لم أره منذ أربعة أشهر، ومنذ يومين سألت عنه صديقينا الشيخ (عادل)، والأمين (جمال)، وكلاهما أكد لي أنه لم يره منذ أشهر.. عرفت أنه هنا، قابع في هذا المخبأ، لا يفعل شيئًا سوى العبث بالبرامج الإلكترونية، ويتنقل بين المواقع المختلفة، ومواقع التواصل، وهو يجد هناك رفقة أفضل من رفقة البشر الحقيقيين أمثالنا.
أضاء النور، ولم يفتني أن ألاحظ تأذيه من النور على وجهه الشاحب الذي تقلص، وعينيه المتعبتين المغمضتين تقريبًا، سريره هناك بالكاد يبدو من تحت الثياب والأغطية الملقاة بكل مكان، وأكثرها يتكدس فوقه، فوق الجدار صور لأفيشات أفلام أجنبية أعتقد أني شاهدتها كلها: (باتمان)، (سبايدرمان)، (زورو)..
تناول اللاب توب مني، وأوصله بالكهرباء، ووقف ينظر إليه مغمض العينين لا أدري كيف، وحين بدأت التحديثات، قال مغمغمًا:-
– “لقد نسيت أن تلغي التحديثات التلقائية..”
قلت له مصححًا:-
– “بل أنت الذي نسيت.. أنت من قمت بتغيير النسخة لا أنا!”
قال غير مكترث بكلامي على الإطلاق:-
– “سأغير النسخة وألغي التحديث التلقائي..”
ثم التفت إليّ بنصف عين، وأضاف:-
– “دعه لي ومر لأخذه صباحًا، سأسهر عليه..”
قلت له بحدة:-
– “بالطبع لا..”
انتبهت للحدة في صوتي، فأضفت مرتبكًا:-
– “أعني.. أنني أريده.. أحتاجه في عمل هام هذه الليلة..”
في الحقيقة كنت أكذب، كل ما في الأمر أنني أخشى أن يفتش في المجلدات الخاصة بي، ويكشف الأسرار التي أخفيها عن الجميع، حتى أقرب أصدقائي!
(محمود) بارع جدًا في استخدام أجهزة الحاسوب المختلفة، لا يفعل شيئًا طيلة الليل أو النهار سوى العبث بأجهزته، تغيير نسخة الويندوز بالنسبة له أمر في غاية التفاهة، رغم أنه أمر شديد التعقيد بالنسبة لي، مهما حاولت إخفاء الأشياء عنه سيصل إليها إن أراد، (محمود) صديق مقرب جدًا منذ الطفولة، لكني لا أحب أن يطلع أحد على أسراري مهما كان مقربًا لي!
أضفت للمرة الثانية:-
– “قضية مهمة، والجلسة غدًا، يجب أن أنتهي من كتابة المذكرة سريعًا وطبعها، لكن النسخة ثقيلة جدًا لا تساعدني على ذلك!”
قال بصوت واهن ومهزوز بفعل تأثير النوم:-
– “لا أستطيع عمل شيء الآن.. أنا متعب، لم أنم منذ يومين، اكتبها على الورق العادي حتى أفيق وأتصرف”
مهما قال وفعل لن أترك اللاب توب له..
– “ومتى تفيق أنت؟!”
لقد صليت المغرب قبل مجيئي إليه مباشرة، هذا ليس وقت نوم، لكني أعرف أنه يصحو في الأوقات التي ينامها البشر العاديون، وينام في الأوقات التي لا ينام فيها أحد!
قال:-
– “لا أعرف.. ليس لي مواعيد نوم ثابتة، دعه لي وحين أفيق في أي وقت سأعمل عليه”
قمت بفصل اللاب من الكهرباء، وقلت له:-
– “حسن.. سأعود إليك في وقتما تفيق!”
حملت اللاب واستدرت للانصراف، وبالطبع لم يحاول أن يمنعني، بل بدا لي أنه كان يريد التخلص مني أصلًا ليواصل نومه، حتى أنه ألقى بنفسه على الفراش فورًا، ولم يحاول أن يوصلني للباب الخارجي، لا بأس، فهو يثق بي بعكسي أنا، علاوة على أنه لا يوجد بالبيت سوى جدته العجوز، وهو يعلم أني لن أفكر في اغتصابها أو سرقتها، وحين غادرت الغرفة متجهة للردهة المقابلة لباب الخروج سمعته يقول بصوته الواهن المهزوز:-
– “لا يوجد سوى مدخل واحد..”
استدرت للخلف لأستفهم عما قال، لكنه كان قد اقتحم النوم، وبدأ يشخر، أعتقد أنه كان يهلوس..
مدخل واحد لأي شيء؟ فيم يفكر بالضبط؟ أو على الأصح: بمَ يحلم؟
(محمود) يهلوس وهو نائم، ما الغريب في هذا؟ ربما هو الشيء الطبيعي، بل أقل الأشياء الطبيعية التي تصدر منه، أتوقع في زيارتي القادمة له بعد عدة أشهر سأجده يهذي ويهلوس وفي يقظته، وربما سيحدثني عن نهاية العالم، أو غزو كائنات فضائية للأرض، أو حتى يزعم أننا نعيش بداخل مصفوفة وهمية تسمى (ماتريكس)، أو أي شيء من هذا السخف!
الحقيقة المؤكدة أن (محمود) لم يعد ينتمي لعالمنا، والحقيقة الأخرى المؤكدة أيضًا: أني لا أزال بحاجة إلى تغيير نسخة الويندوز في أي مكان آخر، دون أن أقلق من تفتيش مجلدات حاسوبي!
***

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق