منتدي أوراق عربيةمنتدي الشعر الفصيح

جابر القصاص يكـــتب لأوراق عربية … إلى ابنتي “جنى”

لا تصرخي يا طفلتي

لا تفزعي..

ماذا رأيتِ من الحياة لتجزعي؟!

مازلتِ في صدر الحياة وليدة

لم ترشفي من كيدها

أو تجرعي

لا تهدري تلك الدموعَ مبكرًا

ما زال في العمر الكثير لتدمعي!

فغدًا جراح..

وغدًا نواح..

وغدًا هزائم وانبطاح..

حتى المباهج والنجاح

تحتاج دمعًا فائضًا

فدعي البكاء وأينعي

هيا ارفعي يدَكِ الصغيرةَ كي تلامس جبهتي

أو كي تحيط بأصبعي

لا.. لا رجوتكِ

لا تشدي لحيتي

رباه! كم هو مؤلم

لكنه ما دام يمنحك السعادة فارتعي

***

ولمَ البكاء صغيرتي؟

ألأن والدكِ أنا؟

أتراك قبل اليوم قد أدركتِ حقًا

ما أنا؟!

أدركتِ أن أباكِ صار اليوم شيخًا طاعنًا

ويضم في جنبيه قلبًا واهنًا

ولرُبَّما يومًا أرى في مقلتيك تساؤلًا:

-“ماذا لديك؟

العمر يمضي كالقطار

وهذه الأيام تفلت من يديك!

احسب نصيبك في الحياة

وقل لنا: ماذا جنيت؟

افتح خزائنك العتيقة

انثر خباياها اللصيقة

ربما تجد الحقيقة”

ماذا أجيب صغيرتي؟

تلك الخزائن خاوية

لا شيء فيها غير بقعة ذكريات عاتية

مثل الوطاويط العتيقة تنتشر

تبقى كأوتاد الجبال

وكل شيء يندثر

لا شيء في تلك الخزائن غير إرث

من قصائد باهتة

أصوات أشواق كأنات العجائز خافتة

القلب أنهكه النزال

ما عدت أملك مهربًا.. حتى الخيال

ما من “عمالقة” هناك ولا “قطيع”

ما من جنون ينسج الأحلام

في وهم وضيع

عمر من الخيبات ولّى

دون نفع.. قد غبر!

***

إن عشتُ قد يأتي زمان

تطلبين حكاية قبل المنام!

سيكون صعبًا طفلتي

ضاعت أقاصيص الطفولة في الزحام!

لا تطلبي مني حكاية سندريلا

في القلب تستلقي الحكايات الكئيبة ليس إلا..

كم قد قرأنا في الطفولة

وحكوا لنا قصص البطولة

عشنا مع الأحلام أزمنة

وهِمنا في الغرام

أحلامنا انتعشت وجاوزت الغمام

طرب الفؤاد بما تلقى من أقاصيص الفداء

وتشربت أرواحنا معنى البسالة

والعراقة

والولاء..

قد علمونا أن نجوع لأجل أن يرقى الوطن!

قد علمونا أن نريق دماءنا

من أجل أن يحيا الوطن!

قد علمونا أن نضحي بالحياة بلا ضنن!

حتى انتبهنا ذات يوم

وانسللنا من “سراديب” الوسن!

ماذا رأينا حينها؟

أوطاننا ليست لنا..

ثرواتنا لا ملكنا..

أحلامنا سُلبت.. وأسلمنا المنى..

ماذا تبقى عندنا؟

***

قد علمونا أن نجوع ليشبعوا..

علمونا أن نريق دماءنا

كي يرتعوا..

فازوا هنالك بالقصور

ونحن نقبع بالقبور

فرضوا على الأوطان أحكام القبيلة

حازوا السيادة وحدهم واستعبدونا

نالوا القوامة دوننا واستنزفونا

يا هول ما وقعت عليه عيوننا!

حتى العيون مع القذى أمست كليلة

فرضوا رقابتهم على أصواتنا..

همساتنا..

ضحكاتنا..

لوحاتنا

فرضوا وصايتهم على أحلامنا وعقولنا

سنوا قوانين الطغاة ليقمعونا

نصبوا المشانق والسياط ليُخضعونا

بثوا الأناشيدَ السخيفةَ

والشعاراتِ الرخيصةَ حولنا

ليخدرونا

دومًا هناك مخاطرة

دومًا هناك مؤامرة

دومًا هناك الذئب يقبع في الخلا متربصًا

ما أغدره!

دومًا هنالك قلة مندسة تبغي الفتن

دومًا هنالك خائنون يحاولون بجهدهم هدم الوطن

سترونهم يتكلمون عن الكرامة

والعدالة

والنزاهة

فاحذروهم!

ويطالبون بفك أوصال القبيلة فاردعوهم!

ساومونا بالأمان

وبالحماية قايضونا

سلبوا كرامتنا وحرياتنا

واستكثروا أقواتنا

منوا علينا بالفتات وعيّرونا

العقل أقعد بالسياط فما نهض

والحلم أطفئ في السجون فما ومض

صرنا الأواخر في العلوم ونحوها

نلنا الصدارة في الفساد

وفي المرض!!

قصص البطولة والفداء تهتكت في جوفنا

وتبددت أحلامنا كسحاب صيْف

لم يبق في أرواحنا إلا بقايا أغنيات صامتة

وتراث زيْف

بيعت مبادئنا النبيلة

بالبخس في سوق القبيلة

لم يبقى في أعماقنا حتى الأماني المستحيلة

لا تطلبي مني حكاية سندباد

ما عدت أذكر غير إيكاروس

أو سيزيف

أو كيخوت

من هذا الكساد

قصص لها طعم الرماد!

***

قد تعجبين لأنني لم أحكِ عني

ماذا أقول صغيرتي؟

أنا لم أكن شيئًا

ولم أحمل من الماضي سوى أشباح كبتي

أهدرت عمري في مطاردة الخيال

وفي السدى استنفذت وقتي

لم أنتفع يومًا بقولٍ

ربما أجد الخلاص اليوم

في أحضان صمتي

لكنني من بعد هذا التيه يا روحي

بلغت – مؤخرًا – أعتاب بيتي

وجميع أوجاع السنين تبددت لما أتيتِ

كالشمس من بعد الظلام

بهالة الأضواء جئتِ

صحراء عمري أينعت

وتفجرت فيها ينابيع الشذى لما قدمتِ

عمر جديد قد ظفرت به على غير انتظار

سوف أحيا فيكِ بنتي

***

لا تفزعي يا طفلتي فلديّ أنتِ

حتمًا سأحيا طفلتي

فلديّ أنتِ

***

متابعينا علي فيسبوك
اضغط لتقييم المقال
نشكرك للتقييم ، رأيك يهمنا :)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق