أخبار وتقاريرإسلامــنـاتاريخ إسلاميمنتدي أوراق عربيةمواهب علي الطريق

جابر القصاص يكتب لأوراق عربية ” الإسلاميون.. بين الديمقراطية والشريعة ” الجزء الأول

تتجدد القضية دائمًا، وينشب الخلاف والنزاع حول هذه المسألة: هل الشريعة الإسلامية تقبل الديمقراطية أم ترفضها؟ بعبارة أخرى: هل الديمقراطية تتفق مع الشريعة أم تخالفها؟ أو ما الحكم الشرعي للديمقراطية؟

ربما كان الخلاف قديم المنشأ، وكانت بداية بزوغه مع أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين أقبل الاحتلال الأوروبي على بلاد الإسلام، وأدخل بعض أشكال الديمقراطية وآلياتها في البلاد المسلمة، كحرية تشكيل الأحزاب السياسية، وإقامة مجالس تشريعية تصدر القوانين والتشريعات التي تحكم البلاد ونحو ذلك..

لكن الخلاف احتدم بقوة في عقد السبعينات من القرن الماضي، مع الصحوة الإسلامية التي شهدها هذا العقد، ونشاط حركات التنظير والتنقيح والتصنيف في العلوم الشرعية، وصاحب ذلك سماح الأنظمة الحاكمة لبعض التيارات الإسلامية بالعمل السياسي في نطاق معين، لذلك احتدم الخلاف بين هذه التيارات الإسلامية نفسها حول حكم ممارسة العمل السياسي بوجه عام، وممارسة الديمقراطية وآلياتها على وجه خاص.. وبذلك انقسمت هذه التيارات المحسوبة على العمل الإسلامي إلى ثلاثة أقسام:-

– قسم يرى أن الديمقراطية كفر أو شرك بالله عز وجل، ولا يحل المشاركة فيها بأي وجه من الوجوه، وهذا القسم تجد فيه من يضع الجهاد دائمًا في مقابل الديمقراطية، ولهذا يطلق عليهم مسمى “الجهاديين”، وهذا القسم لا يأبه بالدخول في مناقشات ومناظرات حول رؤيته للمسألة، ويركز على الممارسة العملية والبيانات المصاحبة للعمل الميداني الجهادي في طرح رؤيته.

وتجد أيضاً من لا يمارس العمل الجهادي، ويركز على الجانب الدعوي، وهؤلاء يشاركون في التنظير والمناقشات بشكل قوي وفعال (وهذا القسم تمثله الدعوة السلفية قبل 2011م، ومن يعرفون باسم “المداخلة” حتى اليوم).

– قسم ثان يشارك هذا القسم في نظرته إلى الديمقراطية على أنها كفر وشرك، إلا أنه لا يمانع من المشاركة بها تحت دعوى “تقليل الشر”.. بمعنى: تقليل مفاسد الديمقراطية التي يسيطر عليها عادة العلمانيون والمنتفعون، ويستعملونها في محاربة الأحكام الشرعية، والمناسك، والشعائر التي يقرها الدين، ويشرعها. فهم يرون أن ترك ممارسة العمل السياسي ومقاطعة آليات الديمقراطية سيترك الفرصة لأعداء الشريعة لتقويضها ومحاربة شعائرها وأحكامها، وعزل الشريعة عن المجتمع وحياة البشر (وهذا القسم تمثله الدعوة السلفية بعد 2011م)..

– وقسم ثالث: يرى أن الديمقراطية لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل تتفق مع الأصول الشرعية، وغاية ما هنالك وقوع مخالفات في الممارسات الديمقراطية لا في مبادئها، وعليه فهم لا يرون غضاضة في ممارسة العمل السياسي وآليات الديمقراطية، مع محاولة فرض الصبغة الإسلامية على تلك الممارسات وتنقيتها وتهذيبها لتتفق مع أحكام الشرع، (وهذا القسم يمثله جماعة الإخوان المسلمين وآخرون).

وبالطبع بين هذه الأقسام مناظرات وسجالات مستمرة، نشبت – كما ذكرنا – مع بداية دخول الديمقراطية بلاد الإسلام، وبلغت أشدها في عقد السبعينات من القرن الماضي والعقود التالية لكنها عادت للاستعار مجددًا بعد ما آلت إليه الأمور في الربيع العربي، الذي طغت عليه الصبغة الإسلامية قبل الانهيار، ولا شك أن القوى المدنية والعلمانية فضلا عن الكنيسة كان لها دور بارز في إسقاطه، بسبب تخوفهم من الصبغة الإسلامية نفسها، بالإضافة إلى ممارسات الإسلاميين أنفسهم وما ارتكبوه من أخطاء من جهة أخرى.

ويمكن تلخيص هذا الخلاف العلمي في الآتي:-

– القسم الذي يرى شرعية العمل الديمقراطي يرى أن الديمقراطية في مبادئها تقوم على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، كما تقوم على حرية الفكر والرأي، ومشاركة فئات وطوائف الشعب المختلفة في اختيار حكامهم ونوابهم، وأيضاً مراقبة أعمالهم ومحاسبتهم، وهذا كله تقره الشريعة الإسلامية في قواعدها وأصولها، غاية ما هنالك أنها شرعت إطارًا أخلاقيا لهذا المبادئ، ونظمته بشكل يتفق مع طبيعة الإيمان وأركانه.. فالديمقراطية تلتقي عندهم مع الشورى بمعناها الإسلامي..

كما أنهم لا يرون غضاضة من استعمال آليات الديمقراطية مثل طريقة الانتخاب الحر والسري في اختيار الحكام والنواب، وحجتهم ما يلي:-

أولاً: أن الشريعة لم تحدد آلية معينة لاختيار الحاكم، وإنما تركت ذلك لاجتهاد أهل كل عصر، بحسب الزمان والمكان والأحوال، وآلية الانتخاب آلية وضعية اجتهادية، تناسب طبيعة هذا العصر، ولا تعارض أصلاً من أصول الشريعة الإسلامية.

ثانياً: كون هذه الآلية مستوردة من الكفار لا ينقضها، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي سلمان الفارسي عام الأحزاب، وقام بحفر الخندق لإغلاق الجبهة المكشوفة أمام العدو، وهذه خطة حربية فارسية الأصل، كما طبق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نظام الدواوين، في إدارته لشئون البلاد، وهو أيضاً نظام مستورد من بلاد الكفر، وهكذا فلا مانع من الاعتماد على أنظمة وآليات أجنبية في إدارة شئون البلاد، وتنظيم السياسات الإدارية، ما دامت لا تتعارض مع قواعد الإسلام وأحكامه.

ثالثاً: أن آلية الانتخاب الحر تحقق مبدأ أحقية الأمة في اختيار إمامها، وهو مبدأ إسلامي أصيل، يوافق الشرع ولا يخالفه.

رابعاً: يشهد لهذه الآلية ما قام به الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عقب مقتل الفاروق عمر، من تحري أقوال الناس واستطلاع آرائهم في الخليفة الجديد من رءوس الناس وعوامهم، جميعاً وأشتاتاً، مثنى وفرادى ومجتمعين، سرًا وجهرًا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة، فأجمع أكثر الناس على عثمان رضي الله عنهم أجمعين (البداية والنهاية لابن كثير 7/ 164)

و للحديث بقيه  في الجزء الثاني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق