أخبار وتقاريرإسلامــنـاتاريخ إسلامي

جابر القصاص يكتب لأوراق عربية ” الإسلاميون.. بين الديمقراطية والشريعة ” الجزء الثاني

وهذا الذي قام به عبد الرحمن بن عوف في هذا الشأن يشبه آلية الانتخاب في عصرنا الحديث، التي تقوم على جمع أصوات الناس، وتحري أقوالهم فيمن يرشحونه ليكون نائباً أو حاكماً، وتنتهي بإعلان فوز من حاز على أكثرية الأصوات..

هذه أبرز احتجاجات هذا الفريق..

أما القسمين الآخرين فلا يقرون اتفاق الشريعة الإسلامية مع مبادئ الديمقراطية أو آلياتها، ويقيدون الحديث حول إقرار الشريعة الإسلامية للمساواة، وحرية الفكر والرأي، فالشريعة الإسلامية تفرق بين المؤمن والكافر، وبين البر والفاجر في الحقوق والواجبات والأحكام الشرعية، كما أنها تضع الضوابط التي تقيد حرية الفكر والاعتقاد والجهر بالرأي، وتقرر العقوبات على التعدي في استعمال هذا الحق، وبعض العقوبات تصل للإعدام في بعض الحالات، والجلد والتعزير في حالات أخرى..

كما أن مشاركة العامة في اختيار الحكام والنواب مضبوط بضوابط تفتقدها آليات الديمقراطية، التي تصادم الشريعة وتناقضها في أكثر جوانبها. وحجتهم ما يلي:-

أولاً: آلية الانتخاب مأخوذة عن الكفار وقد أمرنا بمخالفتهم في صغار الأمور فضلاً عن كبارها، والاحتجاج بواقعة الخندق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وواقعة الدواوين في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه، لا محل له ها هنا، فثمة فارق بين النظام الإداري والنظام التشريعي، فأما النظام الإداري: الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها، على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع فيه من الاجتهاد وتقليد الغير. كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، أما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض، كالقوانين التي تسوي بين الذكر والأنثى في المواريث، وتحظر تعدد الزوجات، وتبيح السكر والزنا بالتراضي، وما شابه ذلك، فتحكيم هذا النوع من النظام كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على النظام الإلهي الرباني الذي وضعه  علام الغيوب (انظر أضواء البيان للشنقيطي 3/ 260).

ثانياً: يرى هذان القسمان أن آلية الانتخاب تتعارض مع كثير من قواعد الشريعة وأحكامها، علاوة على أنه يوسّد لكثير من المحرمات والمكروهات، كسؤال الإمارة، وإنفاق المال على الوجه غير المشروع والإسراف فيه، والدعاية التي تقوم على الوعود الكاذبة، والرشا، وغيرها من المحرمات، مما تختلط به الدعاية من وعود كاذبة وبراقة، وحنث للعهود، وغدر وخيانات، وحلف كاذب، ورشاوي، ونحو ذلك من عظائم الذنوب، لا يخفى على ذي حواس، ويصعب التخلص من هذه الأمور الشنيعة، إن لم يكن مستحيلاً، فإغلاق هذا الباب خير من فتحه..

إذاً فآلية الانتخاب تتعارض مع كثير من أحكام الشريعة الأخرى..

ثالثاً: إن آلية الانتخاب تقوم على التسوية بين المواطنين في كلاً من حق الترشح، وحق التصويت، وهذا يعني أحقية كلٍّ من البر والفاجر – بل حتى الكافر من أهل البلد – في الترشح للحكم والنيابة، كما تعطي كلاً من البر والفاجر – حتى الكافر – حق التصويت، ولك أن تتساءل إلى من ستذهب أصوات الفجار والكفار – وهم كثرة – إذا تنافس برّ وفاجر على الحكم، فهذه الآلية تمكّن للفجار والكفار أكثر مما تمكن للمؤمنين والأبرار، علاوة على الانتماءات الحزبية، التي تدفع الناس لاختيار من كان ينتمي إلى حزبهم وجماعتهم، ولو كان غيره أكفأ منه.

رابعاً: هذه الآلية تكرس مبدأ الاحتكام للأغلبية المطلقة، وهو أحد مبادئ الديمقراطية عند صناعها من الكفار، وهو مبدأ نصت الشريعة على خلافه، وكم من الآيات القرآنية نصت على كثرة أهل الباطل على أهل الحق، قال تعالى:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}[الأنعام: 116]، وقال جل شأنه:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)}[يوسف] وغير ذلك من الآيات.

والله تعالى أمرنا عند التنازع بالرجوع إلى مصادر شرعه، كما أمرنا باختيار الأصلح للوظائف المختلفة، وعلى رأسها وظيفة الحكم، وآلية الانتخاب لا تحقق ذلك بل تخالفه، فالفوز فيها مكفول لمن كان أكثر أموالاً، وأعز نفراً، وألحن بحجته من الآخرين، وأقدر على إطلاق الوعود البراقة، والخداع والمداهنة، ونعوذ بالله من الخذلان.

علاوة على أن الانتخابات يسهل تزويرها، وتوجيهها لمن يريد القائمون عليها فوزه، وهذا بيّن بياناً لا خفاء فيه، والله المستعان..

وجاءت نهاية الربيع العربي لتقوي موقف هذين القسمين، ولكن يبقى النزاع بين هذين القسمين حول المشاركة تحت دعوى “تقليل الشر” والتصدي للقوى العلمانية وغيرها من أصحاب المرجعيات المناقضة للشريعة الإسلامية وقواعدها وأحكامها، والحد من سيطرتهم على النطاق التشريعي والحكمي، فقسم يرى الحفاظ على نقاء الحركة الإسلامية من دنس الديمقراطية وآلياتها، وقسم يرى حتمية المشاركة لتجنب مضار العزلة.

ولا أظن أن مثل هذا السجال والخلاف قد ينتهي اليوم أو غدًا، بل إن الأحداث التي تموج بها الساحة السياسية في بلدان العالم الإسلامي ستيعمل على استمراريته وتمدده.

نسأل الله السداد والرشاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق