منتدي أوراق عربيةمنتدي القصة القصيرة

الساهرون مع الموتي …. قصة لهدير خالد – خاص لأوراق عربية / الجزء الثاني

 

فى بيت أكل منه الزمان ما استطاع ، يضم القليل من الغرف الضيقة ، يحل عليه الظلام ما عدا غرفة واحدة تحمل نور أصفر خافت ، عندما تتنفس بها تشعر بأنك تشم رائحة الأرض عندما ينهال عليها المطر ولكنها تستقبله بشموخ فاتحة له أحضانها ، تنظر إلى منتصفها فتجد رجل وصل للستين من عمره محتوى فتاة عشرينية بأصابعه التى إمتلئت بعروق مهزوزة على رأسها ، ناظراً إلى سقف الغرقة ، تتحرك شفتاه بضعف ورفق وكأنهما يتلوان آيات من القرآن الكريم.
خديجة: هل نمت يا جدى؟.
الجد : لا يا بنيتى أنا مستيقظ أتحتاجين إلى شىء؟.
خديجة: أريد أن أقول لك أننى لا أريد أن أتركك ، لا أريد أن أذهب لأمى وأبى.
الجد : ولكن أنا لم أعد بصحة جيدة يا حبيبتى ، يجب عليك أن تنتقلى للعيش معهما.
خديجة: لا ، إننى لا أشعر بالراحة إلا معك يا جدى ، ينتابنى إحساس بأن أمى وأبى غريبان عنى ، فلم أراهما منذ أن كنت فى العاشرة من عمرى ، ولا يأتيان إلى هنا سوى مرة واحدة كل سنه وبعد ذلك يسافران مجدداً.
الجد: لكن لن أستطع خدمتك مجدداً يا حبيبتى.
خديجة: أنا سأفعل كل شىء يا جدى ، لكن أتوسل إليك لا تجعل أمى تُبعدنى عنك ، سآتى من الكلية مبكراً وأقوم بإعداد الطعام وأعمال المنزل ، أنت من ربيتنى وعلمتنى ، أنت أبى وصديقى يا جدى.
الجد: حاضر يا حبيبتى كفِ عن البكاء لن ترحلين.
خديجة: أحبك جدى كثيراً.
الجد: إذهبى إلى غرفتك ونامى لقد أصبحت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
خديجة: إحكى لى عن جدتى مثل كل ليلة يا جدى.
الجد: وماذا أقول يا حبيبتى لقد رويت لكِ كل شىء.
خديجة: أحقاً يا جدى مازلت تراها رغم رحيلها.
الجد: هى لم تغب من الأساس يا صغيرتى ، هى معى فى كل وقت ، رحلت منذ خمس سنوات لكنها باقية فى قلبى ، الجسد يرحل ، والروح تبقى للأبد أتعلمين عندما كان يحدث لى مشاكل فى عملى كنت عندما أعود للبيت ، أدخل إلى هذه الغرفة وأراها جالسة على كرسها المفضل تُخيط الملابس وتستمتع بفنجان القهوة ، والهواء يداعب خصيلات شعرها يميناً ويساراً ، وتُغنى مع أم كلثوم ” هو العمر فيه كام ليلة زى الليلة ” ، فأنسى ماذا بى؟.
خديجة: كنت أسمعك وأنا صغيرة تتحدث بمفردك فى الغرفة وكنت أخاف بشده حتى سمعتك تنادى باسمها.
الجد: لقد قست الحياة بعد رحيلها ، ولم يكن لى أحداً يفهمنى مثلها ، أتحدث معها لساعات حتى أشعر بأن هناك سبباً يستحق العيش من أجله ، فهى المرأة التى عرفت من أكون ، وتحملت معى كل الصعاب التى يمكن أن تمر على إثنين معاً ، ربت لى أولادى ، وعاملتنى كأم قبل أن تكن زوجة.
خديجة: الله يا جدى ، هل سأجد أحداً يُحبنى هكذا؟.
الجد: الحب موجود فى كل زمن يا حبيبتى ، قبل أن تختارى الشخص عليكِ أن تختارى قلبه.
خديجة: أريد أن أنام بجوارك اليوم يا جدى.
الجد: نامى يا صغيرتى.
**
يحوم الضباب الأبيض فى الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، فيحجب الرؤية تارة وتعود تارة آخرى ، القمر المنير فى السماء الصافية يكشف جزء بسيط من معالم المكان ، الذى لا يدخله سوى من أراد ربك رحيله ، أو من تذكر حبيبه ، مقابر تملأ الساحة الكبيرة ، يأتى إليها الأحياء الذين يريدون أن يسهروا مع موتاهم ، يتحدثون لساعات ، يعيدون الذكريات السعيدة والمؤلمة ، يضحكون ويبكون ، يقدمون لبعضهم الهدايا والورود ، ثم يرحلون ليعيدون الزيارة مجدداً ، وهؤلاء مختلفون لأنهم ليس لديهم أحد فى المنازل المنيرة ، ولا يملكون شخصاً يمسكون بيديه فى قاعات السينما ليلاً ، إنهم وحيدون ووحدتهم تنكسر بمجيئهم إلى هنا.
خالد: السلام عليكم سمعتك تبكين بصوت عالى أتحتاجين مساعدة؟.
خديجة: وعليكم السلام لا شكراً.
خالد: من تزورين؟.
خديجة: جدى وأنت؟.
خالد: زوجتى.
بعد أن تنهمك أجسادناً مساءً ، تبدأ قلوبنا فى مناداه أحبائها ، فإن كانوا نائمون بجوارنا ، فستعود أعيننا للنوم على الفور ولكن إن بحثت ولم تجد ، ستسمعه يُنادى عليك ، يستغيث بك لكى تسهر معه الليلة لأن وحدته بالداخل قاتلة ، ووحدتك بالخارج تأكل روحك ، فإذهب إليه ولتقم سهرة الذكريات ، ستجد هناك الكثيرون ، فالساهرون مع الموتى ليسوا قليلون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق