أخبار وتقاريرإسلامــنـاالعالم الإسلاميتاريخ إسلاميمنتدي أوراق عربية

الإسلام و إمبراطورية الشمس …. حاتم الأطير – لأوراق عربية

 

ساقين لا ثالث لهما تحملان جسداً عظيماً وتمشيان به فوق هذه الأرض منذ البدء حتى الآن ، قد تسبق ساقٌ ساقاً وقد تتخلف ساقٌ عن ساقٍ وقد تمشيان معا على خط واحد ، اما الساقين فهما الروح والمادة واما الجسد العظيم فهو الحضارة ،

والحضارة بعيداً عن تعريفِها الأكاديمى هى واحدة من أهم منجزات الإنسان وهى حقاً جسد عظيم حفظ فيه الإنسان عقله وروحه وملامحه ،

ويضع دارسوا الحضارات الدين ضمن مكونات الثقافة لشعب من الشعوب، حيث تمثل الثقافة الشق ( الساق ) الروحى ، فمثلا يمتزج الشقان المادى والروحى فى تجليات الفنون ولعل أوضح تجليات التزاوج بين المادى والروحى هو فن العمارة، الذى يمثل عملا ماديا يتبلور فيه التقدم التقنى والعلمى وهو فى نفس الوقت محمَّل ويمثل تجسدا للقيم المعنوية التى تمنحه جزء من تفرده بين إبداعات الحضارات المختلفة ،

وهكذا نجد الأمر فى إمبراطورية الشمس ( مصر ) فإن الدين يمثل المكون الأول لشخصيتها، والدافع الأساسى لإنجازاتها الروحية والمادية فالمومياوات نتاج عقيدة البعث والحساب والخلود، وكذلك بطبيعة الحال المقابر على اختلاف أشكالها وأضخمها الأهرامات و كذلك المعابد والتصوير الجدارى على جدران المعابد والمقابر، وكذلك المشغولات العديدة وثيقة الصلة بالأثاث الجنائزي كالتمائم وتماثيل الأوشابتى والأواني الكانوبية والتوابيت .. إلخ، جميعها إنجازات حضارية وثيقة الصلة بالدين.

وهكذا نجد الأمر فى الحضارة العربية فإن الدين يمثل المرجعية الأساسية لكل مظاهرها الحضارية والثقافية، كذلك فإنه الملهم لكثير من تجلياتها، سواء المادية أو الروحية ، ويمثل ذلك إلتقاء وتوافقا عجيبا بين الشخصية المصرية وبين الإسلام، وبالتالى بين الحضارة المصرية (على امتدادها الزمنى) وبين الحضارة العربية (على اتساعها الجغرافى) أنتج حضارة مصر الإسلامية، أو الحضارة الإسلامية فى مصر.

ومحظوظون هم أولئك الذين ولدوا على حِجْرِ حضارة من الحضارات لما فى ذلك من دواعى الفخر والشعور بالكبرياء ، ولعمرى قد أوتيت من الله حظا عظيما جداً لا لأننى سليلُ حضارة فحسب ، بل لأننى سليل حضارتين كبيرتين قامتا بدافع من الدين وشربت من نورهما الإنسانية جمعاء ، فأى فخر هذا وأى نعمة تلك !

لكن الأمور غالباً لا تسير بتلك الصورة السعيدة وبهذه البساطة فكثيراً من إخوتى فى الحضارتين لا يصيبهما ذات الشعور السعيد البسيط بالمزج المتناغم جدا بين حضارتين كبيرتين ، فانقسموا بميولهم إلى معسكرين يتشبث كل واحد منهم بحضارة دون اخرى ، يرمون بعضهم البعض بنبال ملؤها العصبية والخرافة وربما الجهالة فى كثير من الأحيان والمواقف ، وما كان منى إلا أن وقفت منادياً فيهم :
(( كَسِّروا نبالَكُم .. فَكُلُّنا على صواب )) ،
لكن ربما لم يكن صوتى على قدر المعركة أو ربما كانت ربابتى أكثر هشاشة من نبالهم ،

على أى حال سأحاول فى هذا البحث أن أوضح لإخوتى من المعسكرين ما أظنه – وليس كل الظن إثما – حقيقة علمية وتاريخية لاتفسد فى الود قضية ولا تعكر صفو هذا المزج السعيد الذى ذكرته آنفاً ،

ولكن بداية لابد أن نقف لحظات لنوضح أمرين هامين بنيت عليهما بحثى هذا :

أولا ً .. سأستخدم كلمة ” إسلام ” لا بمعناه الضيق المحصور فى إسلام (محمد عليه الصلاة والسلام) ، ولكن بمعناها الأوسع الأصح وهو المنصوص عليه بقوله تعالى فى كتابه الكريم (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) وثمة ما أود الإشارة إليه هنا وهو أن مصادرى فى تفسير الآيات التى سيحتاج إليها بحثى هى تفسير ( ابن كثير ، الطبرى ، القرطبى ) ، وعندهم جميعا ان قوله تعالى فى تلك الآية الكريمة انما ( لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام ، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به ، والإسلام بمعنى الإيمان بالله مبنياً على التوحيد دون إشراك غيره من خلقه معه فى العبودة والألوهة . ) ، وبذلك حين أتحدث عن الإسلام فى إمبراطورية الشمس أقول : ( إسلام موسى ، إسلام عيسى ، إسلام محمد ) عليهم السلام أجمعين .

ثانياً .. سأستخدم كلمة ” الحضارة العربية ” بمعنى الحضارة التى قام بها العرب المسلمون بعد ظهور الإسلام ( محمد ) فى شبه الجزيرة العربية وامتدت من المشرق إلى المغرب ، ذلك أن كلمة الحضارة الإسلامية غير دقيقة علمياً إلا إذا اردنا بها الدين الإسلامى مجرد من الدولة التى أسسها العرب المسلمون أموية كانت أو عباسية أو غير ذلك.

((  جزء أول  …… يتبع ))

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق