بقلم رئيس التحريررُكن المقالاتمقالات تاريخيةمقالات سياسيةمنتدي أوراق عربية

إيمان شاميه تكتب لأوراق عربية …. مبارك ما له وما علينا

 مات مبارك كما يموت الغالبية في سرير وبين أسرته  ، مات ومن الطبيعي والبديهي أن يموت فما كان أحدنا مُخلداً فيها ولا نري في موته شئ من المفاجأة غير المتوقعة فالرجل تجاوز التسعين وألمت به أكثر من أزمة صحية خطيرة مؤخرا ، مات مبارك وأُغلقت صحيفة أعماله في ساعته وتاريخه ونُقل ملف محاكمته من المحاكم المصرية التي برأته وانتقل إلي محكمة السماء التي لا استئناف فيها ولا محامي فطن فقط صحيفة أعمال وملائكة وأصحاب حقوق كشهود عدول  .

مات مبارك وعقب موته العديد من المفاجآت الصادمة علي نحو غير متوقع   فالدولة المصرية التي ثارت عليه وعزلته  فقتل من شعبها من قُتل واعتقل من اعتقل وأصيب من أُصيب نعت مبارك بشكل رسمي وأعلنت الحداد عليه لثلاث أيام ووضعت الشارات السوداء علي قنواتها التي يملكها الشعب الذي ثار  !!  نفس الشارة السوداء التي وُضعت علي شهداء الثورة . ونفس الشارة التي وُضعت علي ضحايا قطارات مبارك المحترقة وعباراته الغارقة ومنازله المتهدمة  في الدويقه والتي لم توضع علي ضحايا مبيدات يوسف والي ولم توضع علي طفل مات في مشفي بأكياس دم فاسدة وغيره وغيره .

وعلي عادة المصرين من ذوي الحسابات علي مواقع التواصل الاجتماعي في  الانقسام علي كل شيء وعلي اللاشيء  انقسم الناس حول موت الطاغية الظالم أو العسكري المُناضل الزعيم المثال .  فقسم جزم بلا أدني شك بأن مبارك في النار  وهؤلاء  لا يستحقون أن نذكرهم لا بخير ولا بشر وكفاهم إثم ما هم فيه  فالرجل علي حد ما يعلم المصرين عنه مات مسلما موحدا  ولم نشهد عنه علنا  الحاد  أو كفرا وبالتالي فالجزم بكونه في النار عبث وتأله علي رب العزة لا معني له سوي جهل أصحابه بعقوبة رمي أحدهم بالكفر أو الجزم بنتائج الحساب يوم البعث فيما لم يرد في الكتاب أو في السُنه  ، وعلي ذكر الجزم بنتائج الحساب يوم القيامة فقد جزم الطرف النفيض بأنه انتقل من مصر الي الفردوس وأنه ارتاح من سوء افعالنا نحن  _ نعم يقولون  هو ارتاح من ظلمنا  _  وينعم الآن في جنات الخلد  ، ولا أعلم  من منهم أُوحي له أن مبارك من أهل الجنة ولا أري مبررا ً لإضاعة وقتكم بالحديث عن قوم أعطوا لنفسهم الحق في شيء رفض محمد ابن عبد الله  عليه صلوات الله وتسليماته  أن يعطيه لنفسه حين قال للمرأة التي شهدت  لأبا الثائب رضي الله عنه وهو الصحابي الجليل بالجنة  وما أدراكي ؟؟!!  والله حتي أنا أدري ما يُفعل بي ولا بكم ، ولكن لا داعي للعجب فهؤلاء قوم دأبوا علي منح الجنة كمكافأة نهاية الخدمة لكل متوفي أحبوه وهم أيضا يلقون بمن لا يوافقهم في النار كما الآخرين دون اكتراث لكون حُكم كهذا والاصرار عليه  والقسم باسم الله عليه قد يلقي بهم  هُم في النار والله أعلي وأعلم  .

 وفي وسط التيار المتناقض بمن ألقوا بمبارك في النار ومن رفعوه الي الجنة يأتي من هم أقل تطرفا فالبعض يذكر للرجل محاسنه إما حبا  أو انه في الأساس من أهل  ” أسفين يا ريس ”  أو أنه من أذناب الحزن الوطني المُنحل وهذا موقف متوقع  منهم  ولا يُثير الدهشة  وأما انه من عموم المصرين ممن للموت في قلوبهم هيبة تتحول بلا وعي الي شفقة علي الظالم والقاتل واللص والفاعل بهم الأفاعيل  لمجرد كونه قد مات  ، والبعض يُذكر الناس بمفاسد الرجل وبتاريخه الأسود  يُذكرهم بيناير وشهدائها ومصر التي قُهرت لثلاث عقود متتالية علي يد حاكم أفسد  بفساده أو بفساد أبنائه أو بفساد حاشيته وزبانيته .

إن موقفنا من مبارك لا يجب أن يتغير لمجرد كونه مات  فالرجل والتاريخ يشهد شارك في حرب أُكتوبر  _ وكان من المنطقي والطبيعي أن يُشارك  فهو عسكري لا نذكر انه كان طبيباً فترك الطب وتطوع للدفاع عن مصر ولم يكن عسكرياً مُتقاعدا فعز عليه أن يُحارب الوطن وهو بمنزله فتطوع غير مبال بعمره وعدم مسؤوليته ، الرجل كان عسكريا وذو منصب وقامت الحرب وهو  علي  قيد منصبه فحارب كجزء من مهنته التي يتقاضى عليها راتباً ومسؤوليته القانونية تجاه مهام وظيفته  _  وأعترف أننا نحن نحب من شاركوا في أكتوبر ونراهم أبطالنا ونحن هنا لسنا بصدد أن نُهدر الرجل حقه  فقد شارك في أكتوبر وبطولاته في تلك الحرب من عدمها يفتي به ذوي الشأن فنحن كعموم المصريين تاريخنا مزور مزيف مُمنهج لصالح ذوي السلطة وجزمنا بأمر في التاريخ دون تعمق وقراءة عبث اعتدناه ولكن لنعدها من محاسنه شارك في أكتوبر ولم يفرط في شبر من الأرض المصرية وتلك كانت أكثر ما كُتب طرافة وخبث في آن واحد  فمعارضوا مبارك ذكروها ليذكروا أولي النهي بما نعلم جميعاً ومؤيدي مبارك ذكروها دون قصد  الاساءة لمن يؤيدون حاليا ولكنها أساءت حتي وإن لم يقصدوا  ، وإن وقفنا علي هذا الموقف النضالي المشرف لمبارك فعلينا ان نتساءل أليس الحفاظ علي تراب الوطن فرض علي رئيسة وجزء من قسمه حين تولي منصبه ؟؟ ومن من الرؤساء والحكام المصرين  علي مر التاريخ فرط راضيا في أرض مصرية ؟؟  ( إن وجدت اجابة أو لم تجد فصاحبنا للنهاية  )  الرجل حافظ علي الأرض المصرية ولم يكن منوطاً به أن يفرط بل كان ذلك  واجبه وفرض حتمي عليه ولكنا نحن  وحدنا في مصر ننفرد بشكر الآخرين علي أداء البديهي من واجبهم ونعتبره بطولة مفرطة .

إننا نذكر لمبارك علي سبيل الإنصاف وتلك حقيقة علمنا قيمتها مؤخراٌ  أنه كان رجلا حكيما مطلعا علي الأمور العامة بكافة مجالاتها ، كان شخصاً يتمتع بكاريزما رئيس وكان واجهة مُشرفة لمصر وأنه في بعض المواقف كان ينحاز لشعبه  وللمغتربين منه وأنه كان يترك لنا قوت يومنا حين ينهب اللصوص البقيه .

ونذكر لسيادته علي الجانب الأخر مواقفه قاحلة السواد أنه حكم بالتزوير في الانتخابات علي مدار حُكمه وأنه كسابقه ما عين نائب رئيس رغم نص الدستور علي ذلك وأنه سمح بتزوير الانتخابات البرلمانية علي مدار ثلاثة عقود وانه أنهك الحياة الحزبية في مصر  وهمش المعارضة وسمح كسابقة بتفشي تيار الإخوان _ المعارضة الأليفة  _ بينما مُحي غيرهم من الجامعات والساحات النقابية  التي عاني بعضها من التجميد لسنوات عجاف  ، نشهد له بالتدخل السافر في الشأن القضائي مرات لا يتسع المقام لذكرها  والاعتداء علي النصوص الدستورية بدون مراعاة لإرادة الشعب وأنه كان يُعد البلاد ويهيئ الأمر ليتولي نجله إدارة  ” عزبة والده  ”  لولا قيام الثورة من الشعب الذي تنعي حكومته  الحالية مبارك وتبكيه وتقيم له الجنازة العسكرية وتعلن الحداد عليه .

نشهد لسيادته بمواقفه العربية المُشرفة  علي الصعيد العربي والإسلامي من إغلاق معبر رفح أمام مصابي غزة إبان الحرب إلي  للتطبيع  مع الصهاينة للاعتداءات الأمريكية علي سيادة الإرادة المصرية  لمرور الشاحنات الحربية الأمريكية من قناة السويس لضرب العراق  ولغيرها .

نشهد له بافقار الشعب المصري والمشاركة بشكل مباشر من خلال أبناءه في تبديد ثرواته ونهبها  ، نشهد له  بالخصخصة التي أودت بحياة القطاع العام  ، نشهد له بالوساطة والمحسوبية التي خنقت المصرين علي مدار ثلاثين عاماً  ، نشهد له بتزيف تاريخنا المصري والعربي والاسلامي ،  نشهد له بالتضيق  علي الإعلام  وافساد الذوق المصري من خلال تشجيع الإفساد الفني والأدبي  بتولي من لا يستحق  ، نشهد له وتشهد معنا مبيدات يوسف والي وأكياس الدم الفاسدة  واتفاقيات دفن النفايات الغربية في أرضنا .

نشهد له  بصفقات بيع الغاز المصري بأبخس الأثمان للصهاينة بينما كان المصرين يُدهسون علي أبواب مستودعات الغاز من بعضهم البعض للحصول علي اسطوانة غاز  واحدة  ، نشهد له  بالتعاون الزراعي مع الصهاينة  الذي أودي بمحاصيلنا الرئيسة .

 وفي جملة منفصلة لأنها شهادة أحسبها علي الله تعني الكثير  نشهد له بمراكب الموت علي بوابات الهجرة  وبجثث متفحمة دُفت جماعية لتعذر فصلها من قطار متهالك وتشهد معنا الاسماك التي تغذت علي جسمان مصري في قاع البحر ونشهد بطائرة سقطت أو أسقطت عمداً فتجاهلنا أمرها ، نشهد وتشهد كافة طُرق الموت المجاني الذي كفله للمصرين حتي أصبح الموت الطبيعي رفاهية افتقدها الناس في نهاية عصره البائد .

نشهد ونشهد  …. نشهد له لأننا شهود الله في الأرض وأنه إن كان لمبارك ما له من حسن أو سوء فإن ما علينا أن نكون شهود عادلين  نشهد بما عرفنا  نُشهد الله علي ما نعلم وما مر بساحتنا علي يديه  ، ومن ثَم يسامحه من يشاء في حقه ويعلق من يشاء حقه برقبته حتي نلتقي لدي الإله  ، نشهد ونحن نعلم علم اليقين أن من مات ولدها مُعتقلا في عصر مبارك  ومن مات حلمه كمداً علي باب الوساطة  ومن فقد عمله حين بيعت الشركة التي أفني بها عمره  للأجانب أو للمستثمرين بلا ثمن تقريبا  ومن سُرطن جسده  ومن افتقر وساء حاله وغيرهم وغيرهم  أصحاب حق لن يعفو الله حتي يعفو هم .

 الرجل الآن بين يدي ربه  وموته ليس مدعاة للشماتة ولا للتشفي ولا يشفي غليل أحد  فالرجل لم يمت مشنوقاً بجرائمه ولم يمت مطروداً بسوء عمله  ولم يمت مسجونا ولم يمت بعيد عن أهله كما أبعدت سياساته  الملايين عن ذويه بالغربة بحثا عن لقمة العيش  ، الرجل مات وتم تكريمه  ونعته الدول والحكومات ونكست مصر علمها  حزنا عليه وكذلك فعل اصدقاءه في الدول العربية  ، الرجل حظي بجنازة عسكرية وبدموع  شعب تم تجهيله وافقاره وتزيف وعيه  فوصل الي ما وصل اليه .

فالي الشامتين وإلي الصامتين بلا موقف محدد  وإلي ذوي الحسرة من أمثالي وإلي الهاتفين بمجد الزعيم المُبجل  بالأمس أُغلق محضر أعمال محمد حسني مبارك  في ساعته وتاريخه  وما عاد له هنا  الا صدقة جارية أو ذنب جاري  وقد رُفعت ملفاته الي رب السماء والأرض … وعند الله تختصم الخصوم  وما علينا إلا أن نُذكر

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫16 تعليقات

  1. سعدنا بمتابعتك للموقع ، وأسعدني رأيك في مقالتي ونتمني أن تتابعوا أوراق عربية بشكل دائم / إيمان شاميه

  2. سعدنا بمتابعتك للموقع ونتمني أن ننال اعجابكم دوما ، وتعليقك علي مقالي أسعدني 🙂 إيمان شاميه

  3. مات مبارك ولم تمت دولته ولم تمت تركته .. مات وأورثنا أزمات وكوارث .. وعند الله تجتكمع الخصوم.
    بالتوفيق يا رب مقال أكثر من رائع،،

  4. تخميناتى ان الجنازة العسكرية وما حدث جاء برغبة من المشير طنطاوى وبعض الدول العربية وربما رغبة من القوات المسلحة لواحد من اخر قادة حرب اكتوبر … ومشكلتنا اننا نحن بنتعامل مع الاحداث بعاطفية ومش بمنطق ولا اعطاء كل ذى قدر قدره … يعنى لما احب اقيم مبارك عادى اذكر ميزاته وعيوبة وده مالوش اى دخل بقصة ان اترحم او مترحمش عليه او هيدخل الجنة او النار … محدش يقدر يختلف عن كونه قائد من قادة اكتوبر او انه وطنى … وفى ذات الوقت سياسته كانت فيها سلبيات ومساؤى كتير …. ربما لان الشعب بعد رحيل مبارك لم يشهد تحسن في شتى المجالات فتغاضى عن تلك السلبيات … اما بخصوص انه مقاتل وانه واجبه لا يفرط في تراب الوطن فده صحيح لكن المشكلة برده انه الناس شافت بعده اللى لا يعترف بوطن وبيحاربه وبيتامر ضده فاصبحت المقارنه بين الاثنين.
    القدر كان رحيم مبارك وقدم له اكبر خدمه انه جه الاخوان من بعده

  5. مقال فوق الممتاز وجمع جميع الآراء وحسم الموقف بمنتهي الوضوح والشفافية حقيقي إستمتعت جدااا بالقراءة
    أحييكي دكتورة إيمان وبالتوفيق دائمآ👏

  6. مقال فوق الممتاز وجمع جميع الآراء وحسم الموقف بمنتهي الوضوح والشفافية حقيقي إستمتعت جدااا بالقراءة
    أحييكي دكتورة إيمان وبالتوفيق دائمآ👏🌻

  7. الف مبروك المقال حبيبتى ايمان 💐💐💐 مقال رائع ومنصف إلى حد كبير ومحايد و العنوان يتماشى وبشده مع الموضوع بالتوفيق دائما يا رب و فى انتظار المزيد ❤❤❤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق